آخر تحديث: 7 / 12 / 2019م - 2:09 ص  بتوقيت مكة المكرمة

صُنّاع العبودية..

هيثم أحمد الثواب *

كل الحكومات المدنيّة القوية هي التي تستمد شرعيتها من اختيار ورضى وقناعة الشعب لها وبتوفير الاحتياجات الأساسية التي تضمنها وتوفرها لهُ هذه الحكومات، بغض النظر عن المستوى الثقافي والحقوقي والسياسي والاختلاف الفكري والعقائدي لهذه الشعوب التي تحكمها تلك السياسيات والحكومات.

قد يتبادر إلى الأذهان بأن العُبودية لسياسية مُعينة - حتى العبودية لـِ عادة أو أمرٍ ما - هي التي تأتي عن غصب وفرض، ولكن العبودية قد تأتي اختيارية من الشعب ذاته والفرد ذاته وهذا أمرٌ لن أخوض فيه.

الحكومات المدينة الحديثة كانت مُسْتَعمَرَة أو مُسْتعْمِرة بشكل أو بآخر بالعبودية الاختيارية أو الإجبارية بقوة وفرض عليها، ومن الآثار السلبية لهذه العُبودية بقاء الإرث الشرعي/ الغير شرعي من الاتفاقيات لهذه الحكومات السياسية التي وقعتّها مع حكومات أخرى بغير رضا شعبها أو حتى بغير رضا أغلب الأطراف السياسية المُشاركة بتشكيل وتجسيد هذه الحكومة، وتمر حكومات أخرى تظل رهينة هذه الاتفاقيات المُبرمة من قِبل الحكومات السابقة، وتبقى مُستعبدةً لحبرٍ وورق واتفاقٍ لَم يُتفق عليه، كنتيجة لذلك تظل هذه الشعوب تُعاني عُبودية قسرية لهذه الاتفاقيات التي لم يقبل بها أجدادهم! ويبقى الشعب عبداً مالم يتغير ويُغير مسيرة أجداده.

ما بعد العبودية:

من أبشع الهواجس هي الخوف والإحساس بالفقر والعجز والجوع والموت فذلك يُحفز الطبع البشري بالفطرة والغريزة للبحث عن لقمة العيش التي تسد رمقه والبحث عن الأمان الذي يُتيح له فسحة العيش بحرية وإحساس بالأريحية لممارسة حياته بالشكل وبالطريقة التي يجدها مُناسبة له. وقد تختلف طريقة البحث والتحصيل لهذا العيش والأمان من فرد لفرد ومن شعب لشعب، كلٌّ بحسب إيمانه وعقيدته ومُستواه الثقافي والحقوقي التي من خلاله يصل لهذه الاحتياجات الأساسية. ومن مثلث ماسلو فإن قاعدة الهرم ترتكز على الاحتياجات الجسمانية - الفسيولوجية - وبعدها الأمان، الجسدي والأسري والموارد والأمن الصحي. بعد هذا تتدرج الحاجات الاجتماعية وبعدها الحاجة للتقدير وأعلى الهرم الحاجة لتحقيق الذات. وما يهمني هنا قاعدة هذا الهرم، الاحتياجات الفسيولوجية من التنفس والطعام والماء والجنس والتوازن والإخراج، والقاعدة الأخرى الحاجة للأمان.

تعي كل الحكومات بأن تأمين هذه الطبقات في الهرم هي الطريقة المُثلى لبناء مُجتمعات قوية وصلبة تصمد تحت أي ظرف من الظروف التي قد تواجهها، وحدوث أي خلل في هذا الهرم يزعزع ثبات أي مُجتمع وبالتالي زعزعة قوة الحكومة، فما بالنا بأن قاعدة الهرم مفقودة لدى بعض الشعوب!

فإن هذه الاحتياجات سوف يسعى لها أي مجتمع بطريقة قد لا تتوقعها أي حكومة! وأقصى ما تخشاه أي حكومة هو شعب لا يملك شيء ليخسره. وذكاء الحكومات، بل أستطيع أن أقول خبث هذه الحكومات، أن تعطي شعبها «بعض» احتياجاته وتساومه عليها في حال مخالفته نهج هذه الحكومة الغير مُنتخبة أو المُنتخبة حتى! فيظل الشعب عبداً مُجبراً أو مُختارا لهذه الاحتياجات / الحكومات - التي هي من أبسط حقوقه -. قد تختلف طريقة سلب هذه الاحتياجات، لقمة العيش تُسلب بالفصل من الأعمال، سلب الأمان بإشاعة الفوضى المنظمة والمُدارة من أنظمة مُعينة وَ معروفة، التضييق بالمعيشة والسكن، سلب الحرية العامة بالحبس والسجن، وسلب الحرية الفكرية وحرية الرأي وغيرها من الحُريات الأخرى.

فحين يخسر الشعب احتياجاته الأساسية يسقط شعوره بالعبودية وحتماً سيثور على أي مُغتَصِب لحقه المسلوب بأي شكل من الأشكال التي يمليه عليه عقله أو تمليه عليه عقيدته وإيمانه. وهنا تسقط العُبودية.. فـ إمّا أن تبدأ ثورة الشعب على صنّاع العبودية..

..

أو أن يظل هذا الشعب حبيساً مُقيداً بـِ عُبودية مُصطنعة..!