آخر تحديث: 31 / 10 / 2020م - 2:07 ص

آدم قصة كفاح ملهمة

محمد الشيوخ *

تتجاوز العلاقة التي تربطنا بالأخ الفقيد الراحل آدم العقيلي، الذي آلمنا فقده رحمه الله، الثلاثة عقود ونصف من الزمن، وتربطنا به العديد من الذكريات الطيبة والحكايا الملهمة، كما هو حال العديد من زملائه ومعارفه الذين تختزل ذاكرتهم بالكثير من المواقف والطرائف الجميلة معه، والتي ستبقى خالدة في الذاكرة ما بقينا.

وهناك شبه إجماع من قبل أغلب أصدقائه ومعارفه بأن الحاج آدم كان يتمتع بروحية عصامية قل نظيرها، كما كان يتمتع بإرادة لا تعرف الانحناء وقد بدأ بناء حياته من الصفر وكافح لتطوير ذاته طويلا حتى حقق الكثير من الانجازات والنجاحات الباهرة، وعلى إثر ذلك ترك إثرًا طيبًا في نفوس شريحة واسعة من الناس، لما يتمتع به من همة ونشاط وحيوية وخلق وإيمان، وما قدمه من تضحيات كبيرة في خدمة الناس، منذ نعومة أظافره وحتى آخر رمق من حياته رحمه الله.

ما يتمتع به الفقيد الراحل من سجايا، أحسبها فريدة من نوعها، وقد يصعب حصرها في كلمات موجزة أيضًا، ولعل بسببها استطاع أن يحتل مكانة خاصة ومميزة في قلوب محبيه ومعارفه داخل وخارج البلاد. فمضافًا الى دماثة خلقه وسعة صدره ورحابة روحه وإيمانه الخالص واحترامه الكبير للجميع وبالأخص أصدقائه ووفائه لهم وانسه بهم وسعة علاقاته المتنوعة وتدينه الصادق وما يتمتع به من دعابة جاذبة وحس فكاهي مميز، كان أيضا انموذجا في العصامية والتحمل والكفاح والتحدي والتدبير، من أجل توفير لقمة العيش والكد على أسرته الكريمة، وهو نوع من أنواع الجهاد، بحسب الحديث المأثور «الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل الله»، حيث كان أحد مصاديقه العملية، برغم قلة الامكانات وقسوة المرض، الذي لازمه لسنوات طويلة إلى جانب الظروف الصعبة التي عاشها طوال حياته.

ولعل واحدة من أبرز سجاياه الفريدة، والتي بسببها، استطاع أن يبني حياته من ”شبه العدم“ تقريبا، إيمانه المطلق بإمكانياته وقدراته الذاتية، وإنه لطالما كان يحدث نفسه بالقدرة على مواجهة الصعاب وصنع المعجزات، كما لا يوجد في قاموس حياته معنى اسمه ”مستحيل“ أو ”غير ممكن“، خصوصًا فيما يتعلق بتطوير الذات وتحصيل الرزق والكد على العيال، وانجاز بعض المهام الصعبة والعيش بكرامة كسائر من يمتلكون الامكانات المادية الكبيرة، والوظائف المرموقة.

وقد حقق على هذا الصعيد انجازات مبهرة، رغم تواضع امكاناته وبساطة مهنته «كسائق اجرة» وقسوة مرضه «سرطان الدم» الذي ضل يصارعه ويتحداه حتى آخر نفس من حياته. كما كان يمتلك قلبًا حسينيا مميزا بالحب الواعي والولاء الصادق والبذل والعطاء، خصوصا في ما يتصل بخدمة الامام الحسين وزيارته، واحياء شعائره، كما كان على استعداد دائم لتحمُّل الصعاب والمشقة في هذا الطريق.

وبالعودة لجوهر فكرة المقالة أجد من المناسب هنا الاكتفاء بالاشارة لموقفين ملهمين من حياته، وهما يعكسان - بلا شك - بعض الجوانب المهمة من سيرته العطرة، مع قناعتي التامة بأهمية توثيق كامل تجاربه الملهمة لأنها تميط اللثام عن أبعاد مهمة من شخصيته التي تحوي شخوصًا عدة. الموقف الأول: حينما هم بالذهاب للولايات المتحدة الامريكية في رحلة علاجية. ذهب بمفرده واجرى العلاجات والفحوصات اللازمة وعاد، وهو ليس لديه ادنى إلمام باللغة الانجليزية، كما أنها تعد التجربة الأولى للسفر لامريكا، علاوة على ذلك كانت صحته ليست على ما يرام، يضاف إلى ذلك أنه لم يكن أحدا في استقباله ومرافقته اثناء مهمته تلك.

أما الموقف الثاني، فقد تمثل في تأسيسه لموكب العزاء جوار منزل والده بتاروت، وبمفرده أيضا، ولم تثنه كل التحديات والضغوطات لتدشين هذا الموكب، الذي رعاه بنفسه لسنوات حتى صار أمرا واقعا.

وهناك العديد من المواقف الملهمة، التي آمل من اصدقائه الاعزاء الذين عايشوه تدوينها، لحفظ سيرته المباركة لما لها من آثار ايجابية جمة لكثير من الناس، حاضرًا ومستقلًا، خصوصًا أهله وذويه ومحبيه وجيل من الشباب السائر في طريق الكد وتطوير الذات، لأنها تمثل تجارب فريدة من نوعها وشبه استثنائية والهامية أيضا.

إن شخصا يتمتع بكل هذه الصفات لهو شخص يستحق أن يكون أيقونة من أيقونات الكفاح اللامعة والملهمة في آن، كما أن سيرته تستحق التدوين والاستلهام. وليس من المبالغة القول: اننا بفقده فقدنا أخًا مؤمنًا وأنيسا ورجلًا عصاميًا لا يعرف الملل والكلل، بل كانت حياته مليئة بالعزيمة والاصرار والصبر والتحدي والكد والجد والكفاح والعمل الصالح، كما كان قلبه دائمًا مفعمًا بالحب والأمل والايمان ومليئا بالثقة والتوكل على الله سبحانه وتعالى.. رحمك الله ياحاج آدم رحمة الأبرار وحشرك مع من تحب، إنه مجيب الدعوات.

باحث في علم الاجتماع السياسي