آخر تحديث: 26 / 11 / 2020م - 9:36 م

الأصوات الشاذة

محمد أحمد التاروتي *

الأصوات الشاذة تتلاشى من الفضاء الخارجي، بمجرد بروز قوة قادرة على اسكاتها بطريقة قانونية، فهذه الأصوات الملوثة لا تجد مساحة واسعة للتحرك، وبث سمومها القاتلة مع سطوة النظام وقدرته للوصول الى جحورها، مما يجبرها على الاختفاء القسري، نتيجة الخوف من الملاحقة القانونية، خصوصا وانها تتخذ من التغاضي وسيلة لرفع الصوت بين فترة وأخرى، الامر الذي يفسر تزايد تلك الأصوات في البيئة الاجتماعية بطريقة او أخرى.

وجود النظام الصارم عملية أساسية للحفاظ على الحقوق، خصوصا وان المحاباة في تطبيق الأنظمة يشجع على التجاوز، والخروج عن السياق العام وضرب القيم الاجتماعية الحاكمة، نظرا لادراك بعض الأطراف بعدم الملاحقة، بحيث تظهر تلك التجاوزات على اشكال مختلفة وأنماط متعددة، فتارة تكون من خلال ممارسات عملية بالتعدي على حقوق الاخرين، وتارة أخرى بواسطة التجاسر على النظام العام، الامر الذي يحدث حالة من خيبة الامل لدى بعض الفئات الاجتماعية، جراء التراخي في تطبيق النظام على الأصوات ”الملوثة“ للفضاء الاجتماعي.

الاستناد على النفوذ الاجتماعي، او السلطة القبلية او العشائرية، تمثل محركات أساسية لتمادي الأصوات ”الشاذة“، على الاستمرار في ممارسة الدور السلبي بالمجتمع، خصوصا وان رفع الغطاء عن تلك الأصوات يكشف حجمها الحقيقي، فالبعض يحاول لبس ثوب اكبر من حجمه عبر الاستعانة بالادوات الأخرى لتجميل مظهره، بيد ان إزالة تلك الأدوات يسهم في التعرية التامة، بحيث تقود لاعادة الأمور للوضع الطبيعي، بمعنى اخر، فان التعويل على جدار النفوذ الاجتماعي، والمساندة القبلية رهان خاسر في الكثير من الأحيان، خصوصا وان الوقوف مع التجاوزات ليس دائما او مفيدا، نظرا لوجود ضوابط قادرة على وضع الجميع على مسافة واحدة، الامر الذي يسهم في ترك الأصوات الشاذة لوحدها، لمواجهة مصيرها الذي حفرته بايديها.

قدرة النظام على الضرب ب ”يد من حديد“، احدى الأدوات الأساسية لاسكات الأصوات الشاذة، فهذه الأصوات المريضة ستجد نفسها تغرد خارج السرب، وابتعاد جميع الأصوات المصفقة عنها، بمجرد الشعور بخطوات عملية لتطبيق النظام عليها، بحيث تتحول الأصوات المصفقة الى ”متفرجة“، وذلك تفاديا لمواجهة ذات المصير، والخوف من الوقوع فريسة سهلة تحت ”سيف القانون“، وبالتالي فان إيقاع العقاب الشديد على الأصوات الشاذة، يسهم في تنظيف الفضاء الاجتماعي، بيد ان عملية القضاء على تلك الأصوات تتطلب الكثير من الجهد، خصوصا وان هناك عوامل عديدة ساهمت في تكريس هذه الظاهرة في البيئة الاجتماعية.

محاولة الظهور بمظهر الشجاعة، والقدرة على الخروج عن السياق العام، عوامل أساسية في بروز بعض الأصوات الشاذة، فالبعض يحاول ”إهانة“ الاخرين بطريقة غير لائقة، عبر انتهاج سياسة ”العزة الاثم“، مما يجعله يمارس أدوارا تتجاوز المساحة الممنوحة، بالإضافة للتحرك بطريقة غير مقبولة على الاطلاق، لأغراض متعددة بعضها لارضاء بعض الأطراف قريبة او بعيدة، وتارة أخرى للتعبير عن ”الأحقاد المدفونة“، بيد ان تلك ”الشجاعة الكذابة“ سرعان ما تتحول الى بالون هواء، بمجرد مواجهة ”سيف القانون“، بحيث تتحول الأصوات المرتفعة والعالية، الى أصوات خافتة وغير مسموعة، خصوصا وان نتيجة المواجهة مع القانون محسومة سلفا، الامر الذي يفسر تراجع الكثير من الأصوات عن مواقفها بطريقة سريعة، نظرا لادراكها بقدرة القانون في الفوز بالمعركة.

وضع خطة اجتماعية طويلة الاجل للقضاء على الأصوات الشاذة، عملية أساسية في المرحلة الراهنة، خصوصا وان هناك عناصر متعددة ساهمت في تشجيع تلك الأصوات على التجاسر، والتمادي في تلويث الفضاء الاجتماعي، الامر الذي يستدعي تقليم اظافر البيئة الحاضنة لتلك الأصوات بطريقة عملية، نظرا لخطورة استمرارية هذه البيئة في ممارسة دورها، في تكرس هذه النوعية من الثقافة لدى العديد من الفئات الاجتماعية، وبالتالي فان التحرك باتجاه اقتلاع هذه الأصوات الشاذة خطوة أساسية، وذلك بالتزامن مع تسليط سيف النظام على رقاب كل المتجاوزين، من اجل حماية الفضاء الاجتماعي من الامراض، التي تخلفها تلك الأصوات الشاذة، على بعض الشرائح الاجتماعية

كاتب صحفي