آخر تحديث: 28 / 10 / 2020م - 5:12 م

دور النشر اللبنانية تنزف... نكبة ثقافية!

ميرزا الخويلدي * صحيفة الشرق الأوسط

قيل سابقاً إن «القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، والعراق يقرأ»... هذا قبل أن تتقدم بلدان أخرى كالسعودية والمغرب العربي في التأليف والقراءة... لكن بقيت بيروت على حالها؛ تطبع وتثري حركة النشر في العالم العربي... لكن إذا «عطست» بيروت، أصيب العالم العربي كله بالزكام!

وبيروت في أزمة ليلها طويل، تداعت عليها النكبات واحدة تلو الأخرى، وما نتحدث عنه تحديداً التأثير المدمر الذي تعرضت له سوق الطباعة والنشر في لبنان، وأصابت ارتداداته العالم العربي كله.

فالأزمة الاقتصادية، وحجب البنوك أموال المودعين، والاضطرابات في الشارع، وأزمة الدولار، وانهيار الليرة، وصولاً لتفشي وباء «كورونا»، وتقطع سبل النقل والشحن، وهجرة المهنيين المشتغلين بالطباعة والتصميم والنشر، وتوقف الطلب الخارجي على الكتاب، وصولاً إلى كارثة الانفجار الرهيب في مرفأ بيروت في 4 أغسطس «آب» الحالي... كلها عوامل ساهمت في توقف الطباعة والنشر.

ضِف إلى ذلك إلغاء أو تأجيل جميع معارض الكتب، مع أن «معرض بيروت الدولي للكتاب» لعام 2019 جرى تأجيله لأسباب تتعلق بالمظاهرات هناك. وجرى تأجيل معارض عربية مهمة لسوق النشر، بسبب جائحة «كورونا»، مثل معرض البحرين «25 مارس/ آذار»، ومعرض الرياض الدولي للكتاب، وهو الأهم عربياً «2 أبريل/ نيسان»، ومعرض أبوظبي وهو من المعارض المهمة «15 أبريل»، تضاف لها معارض بغداد والكويت... وغيرها.

هذه كلها وجهت ضربة قاتلة لصناعة النشر في لبنان، وهي الصناعة التي ظلت على مدى عقود طويلة من الزمن تثري العالم العربي بالعلوم والأدب والمعرفة، وظلت دور النشر اللبنانية الماكينة التي تحتضن تجارب النشر المحلية، خصوصاً في السعودية، فكثير من الدور السعودية تقوم بجميع عملياتها من خلال الدور اللبنانية.

ماذا يعني تدمير صناعة النشر في لبنان؟ يعني أول ما يعني نكبة ثقافية ومعرفية تصيب العالم العربي برمته، لا توجد دولة تمكنت من أن تحلّ مكان لبنان في صناعة النشر العربي؛ ليس بسبب الحرية النسبية، أو تكاليف الطباعة، ولكن للمهنية والتنظيم اللذين تتميز بهما صناعة النشر في لبنان، ويجعلانها قادرة على البقاء والصمود حتى في ظل الحرب الأهلية الطاحنة التي شهدتها البلاد «1975 - 1990».

أصبح إنقاذ دور النشر اللبنانية مسؤولية تتجاوز أهلها وملاكها، لأنها جزء من التراث الثقافي العام والمشترك. أعلم أن كثيرين لديهم انتقادات حادة لاتجاه بعض دور النشر لاستغلال القارئ وتكبيده أثماناً باهظة، وأن بعضها ساهم في تردي المستوى الثقافي، والبعض الآخر التفت لعنصر الربح على حساب الجودة... لكن هذا لا يبرر التغاضي عن النزف الحاد الذي يصيب صناعة النشر بالكامل في لبنان.

حتى قبل أن تنجلي هذه الجائحة، يمكن للمؤلفين والأندية الأدبية والمؤسسات الثقافية والأكاديمية التعاقد مع دور النشر لكي تبقى عاملة وفاعلة ولديها الأمل في المستقبل.

الطلب على الكتاب ما زال يواجه بعض التحديات بسبب تراجع حركة النقل. لكن الشحن والتوصيل ما زالا فاعلين... كما ينبغي التفكير جدياً في الكتاب الرقمي لكي يصبح فرصة لدعم سوق النشر، ومعه القراءة والتبادل الثقافي... خصوصاً إذا تمكنّا من حفظ حقوق المؤلف والناشر معاً.