آخر تحديث: 28 / 10 / 2020م - 5:12 م

الشَتائِمُ التي لَن تُغيِرَ مَجرى النَهر

حسن المصطفى * صحيفة العربية

كمشانق منصوبة، حِبالُها غُمست بالسُم، وأعوادُها الرماحُ الدامية. كَغلٍ يجري، يلتهمُ كل ما في الوادي من حيواتٍ أو حَجر. كَطبقِ طعامٍ قاتلٍ يقدمُه النادلُ علانيةً في رابعةِ النهار. كَكاتمِ صَوتٍ أزيحَ على جَنبِ، وأطلقَ العِنان لدويِ الرصاصات أن تُسمِع من حولها. كألغامٍ طائرةٍ رفعت في السماوات، تَرومُ ذَبح الطيرِ والطائرات. ككابوسٍ يغتالُ أحلام من رقدَ في هدأة الليل، وأفاق على صراخٍ لا يَقر!

تلكمُ هي الشتائم، التي تمتصُ الأكسجين من حِولنا، وتحرمُ الكهل والصغير من التنفس، دون رحمة.

سِهامٌ لن تخطئ طريقها إلى قلبك وعقلك. قناصٌ محترفٌ يعرف أين، ومتى، وكيف يُوجِههُ بُندقيته، لكِنِهُ هذه المرةَ ليس مختبئاً خلف قناعٍ، أو متسرباً برداء مموه. إنه علانيةً يجاهرُ بالسبابِ الذي يتناسلُ عن مسباتٍ متتاليةٍ لا تنتهي، إلا عندما تراكَ صريعا، روحاً وجسدا!

منجنيقُ النارِ الذي لا يَكفُ عن رَميِ لهبِه، لا يعرفَ معنى أن يُستبدل الحَجرُ المُشتعلَ بوردةٍ حمراء، الكلمة النابِية، بشطرِ بيتٍ من غزل، السكينَ الذابحة، بكتابِ فلسفةٍ!

هذه الهِستيرية الجَماعية من التحريض، التخوين، الوعيد، الاغتيالات المعنوية، شحذُ أذهانِ العامةِ وتحضيرهم لأن يكونوا مشاريع ”قتلة“؛ كل هذه الحفلةِ غير التنكرية لن تقود إلا إلى الجحيم.

كتبتُها في مقالٍ سابق ”الشتائم لن تحرر أرضاً“، وهي لن تنصرَ قضية حتى لو كانت عادلةً ومحقة، ولن تعيد القابعين خلفَ الأعمدة الصلدةِ في السجون الإسرائيليةِ إلى أحضان أحبتهم، ولن ترفعَ الصلواتِ في باحاتِ الأقصى.

لكَ أن تعتقد ما تشاء، وأن تعبرَ إلى القدس من خلال الطريق التي تؤمن أنها ستوصِلكَ بسلامٍ لها. لك أن تحتضنَ مفتاح بيتك، وتغني مع فيروز ”سنرجعُ يوماً إلى حينا“. ولك أن تنشد مع مارسيل خليفة، وسامي حواط، وخالد الهبر، كل الأغاني الوطنية والنضالية؛ ذلك حقكَ الذي ليس لأحدٍ سبيلٌ إلى حرمانك منه.

لك أن تَحلمَ بفلسطين ”من البحر إلى النهر“، وتقرأ ”باب الشمس“، وأنت تتهجى أحرف إلياس خوري وهو ممسكٌ ب ”الحق الأخلاقي“.

الوردةُ التي هي بوصلتُك إلى حُلمِك، لن تذبُل، ما دمت تسقيها من ماءِ قلبك، روحك، عقلك، صدقك. إنما، ستَصفَرُ وتتيبسُ تلك الزهرةُ عندما ترمي عليها السواد. تحوِلها من عطرٍ يثملُ العشاقُ من رائِحته، إلى غازِ خردلٍ أو دمٍ ممزوج بالأحقاد!

لِأَهمُس في أُذنك، بحقيقة كنورِ البدرِ في ليلة اكتماله: لَسنا مُتشابهين، نحنُ مُختلفون، ومُختلفون كثيراً، ولكلِ واحدٍ منا أفكاره، انفعالاته، اعتقاداته، مصالحه، همومه، انشغالاته، طموحه، مخاوفه، وأقمارٌ مضيئةٌ وكواكبَ مُندثِرة!

نحنُ مُختلفونَ في نظرتنا إلى قَضايا عدة: الاحتلال، التحرير، المقاومة، السلاح، الدولة، القانون الدولي، العمل الدبلوماسي، المستقبل.. وسواها من الموضوعات، التي هي لُب اشتغالاتٍ وأفهامٍ متعددة.

هذا الإختلافُ ليسَ مدعاةً للريبة، هو مصدرُ إلهامٍ وتأملٍ وتفكر.

نحنُ نختلف، لذلك الحياةُ تسير، والديمومةُ يتصفُ بها الوجود.

لا تقلق من الاختلاف، فقط؛ عندما تُوجَهُ نحوَ قلبكَ أو عقلكَ أو جسدكَ، طعنةٌ أو طلقةٌ أو وردةٌ كاذبة، حينها يستحيلُ الاختلافُ إلى الضغينةِ والمكِيدة.

ساُشعلُ قبساً، يقول: لنكُن أكثرَ صدقاً، ولتنتهي حفلةُ التكاذبِ المملة. لم تعُد القضايا القومية الكبرى هماً لدى شريحة واسعة من الأجيالِ الجديدة، لقد تبدلت الأولويات، وباتَ الناس يبحثونَ عن: التعليم، الطبابة، الفرص الوظيفية المرموقة، بناء الذات، العيش الكريم، ترسيخ قيم الحرية والعدالة والمساواة، المساهمة في وضع مداميك الدولة المدنية الحديثة، السلم الأهلي، البُعدِ عن العنفِ والحروب؛ أي أنَ الهمَ تحول من ”العام“ إلى ”الخاص“، ومن ”القومي“ إلى ”الوطني“.

حتى أولائك الرهطُ الذينَ كالوا الشتائِم إلى دولة الإمارات العربية المتحدة وقرارها السيادي بإعلانها تدشين علاقات دبلوماسية كاملة بينها وبين إسرائيل؛ حتى هؤلاء الذين كانَت أفواهُهم كبراكينَ لا تهدأ، شريحةٌ وازنةٌ منهم في السرِ، تقول غير الذي تتحدثهُ في العلن!

سأفتحُ نافذة صغيرة في الماضي، قبل نحو 15 عاماً، كُنت في مجلسٍ ممتلئٍ بالعديد من الشبانِ المؤيدين لـ ”حزب الله“، وكان النقاش يدور حينها حول جدوى مساعدة الفصائل الفلسطينية المسلحة، ولماذا يُضيع الحزبُ وقتهُ وجهدهُ ومالهُ وحياة شبابهِ ودمائهم في قضايا تخصُ هذه الفصائل، عِوضَ أن يهتمَ بموضوعاتِ لبنانَ الداخلية ومستوى معيشة المواطنين!

هذه الاعتِراضاتُ سمعتُها مراراً، في أكثر من مُناسبة، وفي أكثر من مكان، على مدى سنوات. وهي نقاشاتٌ تأخذ أحياناً طابعاً سجالياً حاداً، ومن يقرأ ما تكتنزهُ من مواقف، يعرف أن الآراء المُعلنة هي في كثيرٍ منها للتماهي مع الشارع العام، أكثر من كونها ذات صدقية حقيقية.

شرائحُ أخرى، من تنويعاتٍ سياسية وفكرية مختلفة: إسلامية وليبرالية ويسارية ومحافظة، كان جمهور منهم يتحدث علناً: لماذا تذهب الأموال طوال هذه السنوات هنا وهناك، خارج الحدود، لأجهزة وأحزابٍ فاسدة مالياً، ولإخوة يرمي كل واحدٍ منهم الآخر في البئر، ويتراشقون بالبارود والمدفعية، ويصف بعضٌ منهم إِيانها ب ”الجهل“ و”البداوة“ و”التخلف“، فيما نحنُ في حاجة لتنمية داخلية وخدمات وفرص وظيفية لأبنائنا!

يا هؤلاءِ الذينَ تقولونَ في مجالِسُكمُ الخاصة، ما تشتمونَ الآخرينَ على قوله علانية، آن لكمُ أن تخلعُوا الأقنعة، وتقفوا بصدق أمام المرآة.

المسباتُ لن تثني إلا الضعفاءَ عن مواصلة طريقهم، ولا تفتُ إلا من عضدِ الجبناءَ أو المترددين. أما من اتخذ قراراً سيادياً في وضح النهار، يرى فيه مصلحة وطنه وشعبه والأمن الإقليمي، وأعلنهُ دون تردد، فلن يعودَ إلى أبو ظبي خاليَ الوفاض، أو ينكفئَ لأن هنالكَ من زَعِلَ أو أَلفَ معلقةً من هجاء ممجوج!

الطرائقُ متعددة، ومن يريد أن يُوصمَ ب ”نافخِ الكِير“ فذلك شأنه. العقلاءُ لن يغرقوا في ”وحل التخوين، والتخوين المضاد“، سوف يَشِيحونَ بوجهِهُم عن لغوِ الكلام، ويمضونَ في طريقهمُ نحو المستقبل، بقوةٍ وثباتٍ وبصِيرة.