آخر تحديث: 26 / 11 / 2020م - 9:36 م

فتح كربلاء

محمد أحمد التاروتي *

شكلت واقعة الطف صدمة كبرى في ضمير الامة الإسلامية، ولا تزال شعلتها متقدة في وجدان العالم الإنساني، حيث استطاعت تجسيد الفتح بكل ما تحمله من معاني، فهذه المعركة الخالدة وضعت حدود فاصلة، بخصوص الكثير من الخطوط المرسومة في الامة الإسلامية، الامر الذي ساهم في تحريك النفوس الحية، فور انتهاء فصول المعركة الدامية على ارض كربلاء.

واقعة الطف جسدت مفردات ”الفتح“، من خلال رسم خارطة طريق واضحة المعالم للمسار الحياتي، خصوصا وان معاني ”الفتح“ تتجاوز الانتصار المادي في الحروب العسكرية، فقد قلبت معركة كربلاء مفاهيم الفتح بطريقة عملية، حيث تمكنت الدماء الزاكية التي اريقت على ارض الطف، في وضع الجميع امام مسؤولية التحرك باتجاه رفض الواقع ”المعوج“، بغرض إصلاحه او المساهمة في إيقاف المسارات المعوجة، وبالتالي فان الوصول الى الفتح ليس مرهونا بامتلاك الأدوات المادية، بقدر يتمثل في وضوح الرسالة، والتمسك بالقيم، ومواجهة التيار الاجتماعي الضاغط، خصوصا وان العوامل المادية قابلة للتبدل تبعا للظروف الزمانية الحاكمة، بخلاف الثوابت الدينية والقيم الأخلاقية، القادرة على الصمود في مواجهة الظروف الاجتماعية على اختلافها.

ادراك الفتح يترجم في الكثير من التفاعلات والتموجات الكبرى، التي أعقبت معركة كربلاء، فقد استطاعت المعركة التي لم تتجاوز ساعات معدودة، في رسم منهجية راسخة في الثقافة الإسلامية على طول القرون الماضية، وبالتالي فان الفتح يتشكل في الكثير من التفاصيل الحياتية، في الثقافة اليومية في المجتمعات الإسلامية، بمعنى اخر، فان محاولة حصر الفتح في الجوانب المادية، يكشف بعض القصور في ادراك المرامي الحقيقية، للثورة الحسينية الخالدة، نظرا لوجود عناصر أخرى قادرة على قلب تلك المفاهيم الضيقة، مما انقلاب جذريا في مجموعة المفاهيم السائدة، باعتبارها قيم غير قادرة على الصمود في وجه الحقائق التاريخية، الامر الذي ساهم في إعادة صياغة الكثير من المرتكزات الفكرية السائدة لدى بعض الفئات الاجتماعية، نظرا لقدرة معركة الطف على احداث الكثير من التموجات في الضمير الإنساني.

الانتصار لمعركة الطف طوال القرون الماضية، يمثل احدى ملامح ”الفتح“ الذي جسدته، فصول المعركة الدامية الواقعة في عام 61 هـ، فالثورات التي أعقبت الثورة الحسينية تمثل انعكاسا واضحا، لمفهوم ”الفتح“ الناجمة عن تلك لملحمة الغاضرية، بحيث ساهمت تلك الثورات في رسم خط فاصل، في التعاطي مع السلطات الحاكمة، الامر الذي تمثل في إدارة الصراع بمختلف اصنافه في تلك الحقب الزمنية، فتلك الثورات لم تأخذ الجانب العاطفي دون النظر للجوانب الأخرى، مما يعكس استمرارية العطاء لهذه الثورة الخالدة، بمعنى اخر، فان عظمة واقعة كربلاء تكمن في القدرة على ديمومة العطاء، بحيث أعطت معاني عديدة للفتح، في جميع المجالات الدينية، والفكرية، والاجتماعية، والأخلاقية، نظرا للدروس الكثيرة التي تحملها منذ البيان الأول اطلقه سيد الشهداء عندما عزم على الخروج المدينة المنورة.

عملية رصد الفتح الكربلائي ليست صعبة على المؤرخ او الباحث، اذ يكفي تلمس الصدى الكبير الذي ما يزال قائما، فبالرغم من الجهود الكبيرة لمسح معركة الطف من ذاكرة الامة الإسلامية، والعمل على محاصرتها والتقليل من أهميتها، فانها استطاعت الصمود والارتفاع بشكل غير مسبوق، مما يعطي بعدا اخر للفتح الحاصل، وبالتالي فان الحديث عن محاصرة عاشوراء الحسين، بات غير وارد على الاطلاق، كونها تعبر عن الضمير الإنساني، وتجسد عملية الثورة على الخلل، والانحراف، والتمسك بالمبادئ الإسلامية، ورفض التسليم بالواقع، فالإمام الحسين سيد الشهداء تكمن من احداث هزة كبرى في الضمير الإسلامي بواسطة الدم، وكسر مفاهيم الفتوحات القائمة على الانتصارات المادية، فهذه المعركة حطمت كافة تلك المفاهيم منذ ظهر العاشر من محرم الحرام، بحيث استمرت في مشوار العطاء للبشرية، خلال الحقب الزمنية المتعاقبة.

قال الامام الحسين في رساله الى نبي هاشم ”اما بعد فان من لحق بي استشهد، ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح“.

كاتب صحفي