آخر تحديث: 31 / 10 / 2020م - 4:23 م

النهج الإنساني في سيرة الإمام الحسين

الشيخ عبد الله اليوسف *

في معنى الإنسانية

المفهوم الإنساني لغةً كما ورد في المعاجم اللغوية هو مأخوذ من كلمة إنسان، وهي مجموعة الصفات والخصائص التي تجمع الجنس البشري، وهو ضد البهيمية والحيوانية، ومعناه الاصطلاحي قريبٌ من هذا المعنى، قالوا: بأن معنى الإنسانية اصطلاحًا: هي الصفة التي تجمع بين جميع البشر، بين جميع الناس، فعندما يقال ”إنسانية“ هذه الصفة تجمع بين كل الناس في هذا العالم، تجمع بين سبع مليارات من البشر في هذا العالم، وكلهم يدخلون في هذه الدائرة، دائرة الإنسانية.

الإنسانية هي رسالة الإسلام، الإسلام وجميع الأديان السماوية تركز على محور الإنسان، على محور بناء الإنسان، على محور إصلاح الإنسان، على أن يكون الإنسان إنسانًا بمعنى الكلمة، ولذلك إذا تخلى الإنسان عن صفات الإنسانية فإنه يخرج من الإنسانية إلى اللا إنسانية، وتؤدي اللا إنسانية إلى إهدار قيمة الإنسان وحقوقه المعنوية والمادية، والتعامل مع الناس بقسوة وبلا إنسانية.

ونهضة الإمام الحسين التي هي محور البحث هي نهضةٌ إنسانية في جميع أبعادها، فهي إنسانيةٌ في دوافعها وأسبابها ومنطلقاتها وأهدافها، وهي إنسانيةٌ في مضمونها ومحتواها ورسالتها، ولكن ما يجب التركيز عليه خصوصاً في هذا العصر، ونحن في الألفية الثالثة: هو إبراز الجانب الإنساني من سيرة الإمام الحسين إلى العالم.

شخصية الإمام الحسين هي شخصيةٌ مليئة بالمواقف الإنسانية والتعامل الإنساني، نحن لم نستطع - لحد الآن - إلا بصورة محدودة ونسبية إيصال رسالة الإمام الحسين الإنسانية إلى كل الناس، إلى كل إنسان في هذا العالم!

يمكن القول بأن كل الناس يعرفون «مانديلا» أو «غاندي».. أينما ذهبت في هذا العالم، ولكن لا زال الإمام الحسين ، بالرغم من انتشار القنوات الفضائية إلا أننا لا نزال مقصرين في إيصال رسالته الإنسانية، وإيصال المضامين الإنسانية لنهضة الإمام الحسين إلى العالم.

المحور الأول: المواقف الإنسانية في سيرة الإمام الحسين

لا أريد أن أتحدث بصورة متجردة، أريد الدخول في مواقف عملية للإمام الحسين ألخصها في ثلاث نقاط:

النقطة الأولى - المساواة في الإنسانية:

خلق الله سبحانه وتعالى الناس من جنسٍ واحد، فكلهم من تراب ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ[1]  فالناس جميعًا يتساوون في الخلقة الإنسانية، وفي الأصل وفي المنبع الإنساني، وفي الواجبات والحقوق أيضاً.

إذن القيمة الإنسانية التي أكد عليها الإسلام يتساوى فيها جميع الناس، وفي سيرة الإمام الحسين نجد أن الإمام في معركة كربلاء أكد على هذه الحقيقة؛ فنجد أنه وضع خده الشريف على خد ذلك العبد الأسود جون مولى أبي ذر الغفاري، ووضع خده على خد ذلك الغلام التركي واضح بن أسلم، وهو نفس الفعل الذي فعله مع ابنه علي الأكبر، إذن تعامل مع ابنه الذي كان غاية الجمال، وغاية في الكمال، بنفس المقدار الذي تعامل مع العبيد الذين كان ينظر إليهم العرب نظرة عنصرية في ذلك الزمان.

نحن نعرف أهمية موقف الإمام الحسين هذا، وأثره الإنساني، عندما نعرف أن العنصرية كانت سائدة في ذلك الزمان في أيام الأمويين، حيث كان ينظر إلى العرب باحترام وإلى غير العرب باحتقار، وكانوا يعتبرون الناس هم العرب، وأما غير العرب فهم شبه الناس وغير كاملي الإنسانية، إلى درجة أن حاكم البصرة في ذلك الزمان ضرب شخصاً غير عربي ضرباً مبرحاً لأنه تزوج امرأة عربية، إذن كانت العنصرية القومية والعرقية سائدة بقوة، ومن هنا ندرك قيمة ما فعله الإمام الحسين في التأصيل لقيمة المساواة في الإنسانية، وهي قيمة إنسانية في غاية الأهمية، جسدها الإمام الحسين بمواقفه الإنسانية.

النقطة الثانية - الإحسان إلى الخصوم:

من المواقف الإنسانية للإمام الحسين هو إحسانه إلى خصومه، عادةً الإنسان عندما يختلف مع الآخرين في رأي أو فكرة قد يتعامل معهم بطريقة مختلفة عما يتعامل به مع إخوانه وأحبائه فكيف إذا كان خصماً له؟ كيف إذا كان يعارضه؟ فهنا تظهر جوهر الإنسانية.

الشخص الإنساني الذي يتصف بالإنسانية يتعامل بإحسان ورحمة وشفقة ومحبة حتى مع خصومه، وأذكر لكم قصة من سيرة الإمام الحسين في هذا الجانب.

الإمام الحسين عادَ أسامة بن زيد حينما كان مريضاً في بيته، رغم أنه كان في صف المعارضين لأمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب ، وبمجرد أن رأى أسامة الإمام الحسين صاح: ”واغماه“، فقال له الإمام الحسين : ما غمك يا أخي؟! لاحظ اللفظ يا ”أخي“ أطلق عليه لفظ ”الأخوة“ رغم الاختلاف معه في الموقف، قال أسامة: ديني ستون ألف درهم، فقال الإمام الحسين : دعها عليّ. أي أنا سأقوم بسداد المبلغ، فقال أسامة: أخشى أن أموت قبل أن تدفعها. فقال الإمام الحسين : لن تموت حتى أسددها عنك[2] ، وبالفعل بادر الإمام الحسين بسداد ذلك الدين عنه.

إذن الإمام الحسين في هذه القصة الإنسانية يضرب لنا مثلاً كيف أن الإنسان ينبغي عليه أن يتعامل بإنسانية مع من يختلفون معه.

للأسف بعض الأحيان في الواقع الاجتماعي الملموس تجد أحياناً إنساناً بمجرد اختلافه مع إنسان في رأي أو خلاف أو تصور قد يعاديه ولا يسلم عليه ويخاصمه أشد المخاصمة، بينما نلاحظ الإمام الحسين يتعامل بكل إنسانية مع هذا الإنسان الذي كان يختلف معه في الفكر والمنهج والموقف.

النقطة الثالثة - الرحمة بالأعداء:

من الطبيعي أن يرحم الإنسان أصدقاءه، وأن يكون رحيماً بأقربائه وأرحامه وأسرته وزوجته وأولاده، ذلك الأمر طبيعي جداً، لكن أن يكون رحيماً بأعدائه فهذا يحتاج إلى نبل إنساني، أن يكون محسناً إلى أعدائه هذا يحتاج إلى تعامل إنساني رفيع لا يقوم به إلا أكابر الرجال وأعاظم الأئمة الكرام.

في معركة كربلاء وهذه القصة يعرفها الجميع، حينما وصل الحر بن يزيد الرياحي ومعه ألف فارس، وكان في عز الظهيرة حيث كانوا في غاية العطش، وكادوا يهلكون من الظمأ! حينما رآهم الإمام الحسين رقّ لهم وأمر أصحابه بإسقائهم الماء، ولم يكتفِ بذلك بل أمر بسقي الخيل لأنها كانت كذلك عطشانة، وهي في أشد حالاتها من العطش والظمأ[3] ، الإمام الحسين سجل هذا الموقف الإنساني العظيم حيث أمر بإسقائهم الماء، هذا الموقف الإنساني يجب أن نوصله للعالم.

وفي المقابل نرى كيف تعامل الجيش الأموي مع الإمام الحسين حيث منعوا عنه الماء! إذ تعاملوا مع الإمام وأصحابه وأهله بوحشية وبلا إنسانية، في حين أن الإمام الحسين تعامل معهم بكل إنسانية ورحمة، عندما كانوا بأمس الحاجة إليه ولكنهم منعوا الماء عنه حتى يموت ومن معه عطشاً، إذن الإمام الحسين وموقفه هذا وغيرها كثير يدل على التعامل الإنساني عند الإمام .

كذلك حينما نقرأ في سيرة الإمام الحسين الأخلاقية، لأن الأخلاق أيضًا من الأمور والقيم التي اتفق عليها جميع البشر، فأي إنسان في العالم يرى بأن الصدق أمرٌ حسن، وأن الكذب أمرٌ قبيح، وأي إنسان في العالم يرى بأن الرحمة أمرٌ حسن، والقسوة أمرٌ قبيح.

إذن هذه القيم الأخلاقية هي قيم يؤمن بها جميع أهل الأديان وغير أهل الأديان، فلو سألت أي إنسان عن الصدق هل هو حسن أم غير حسن؟ لأجاب: بأن الصدق حسن والكذب قبيح.

إذ أن القيم الإنسانية، ومنها: القيم الأخلاقية هي قيمٌ ثابتة لا تتغير بتغير الزمان والمكان، وهي القيم التي يؤمن بها جميع البشر على هذا الكوكب.

إن ما نحتاجه في هذا العصر هو إيصال الرسالة الإنسانية للإمام الحسين إلى الناس جميعاً، لأننا يمكن أن نؤثر إيجابياً على الناس - كل الناس - عندما يعرفوا رسالة الإمام الحسين الإنسانية، إذ يحتمل أن لا نؤثر على المسيحي في الدين لأنه يختلف معنا في الدين والمعتقدات الدينية، وربما لا نستطيع التأثير على اليهودي في الدين لأنه يحمل أفكارًا ومعتقدات أخرى؛ لكن يمكن التأثير على الآخرين من أصحاب الديانات السماوية أو الوضعية من خلال القيم الإنسانية التي يتفق عليها جميع الناس.

المحور الثاني: الدوافع الإنسانية في نهضة الإمام الحسين

عندما نتحدث عن نهضة الإمام الحسين هناك أسباب ودوافع أدت إلى قيامه بها، هناك دوافع دينية، وهناك دوافع إنسانية، وسنشير هنا إلى الدوافع الإنسانية لأنها محور الكلام.

هناك ثلاثة عناصر أو ثلاثة دوافع في نظري تعد من الدوافع الإنسانية في نهضة الإمام الحسين :

الدافع الأول - الإصلاح الشامل:

وهو هدف من أهداف الأنبياء والأئمة ، قال تعالى: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ[4]  فالإصلاح مبدأ ينادي به جميع أهل الأديان، بل جميع البشر ينادون بالإصلاح، والآن في العالم دائماً ما نسمع به في الأخبار وما شابه ذلك، بالمناداة نحو الإصلاح للأفضل؛ كالإصلاح الاجتماعي والأخلاقي والاقتصادي والتربوي وغيره.

الإمام الحسين أوضح بصورةٍ واضحة أن من أهم دوافعه هو الإصلاح، فقال : «وَأَنّي لَمْ أَخْرُجْ أشِراً، وَلا بَطِراً، وَلا مُفْسِداً، وَلا ظالِماً، وَإِنَّما خَرَجْتُ لِطَلَبِ الاِْصْلاحِ في أُمَّةِ جَدّي ﷺ، أُريدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهى عَنِ الْمُنْكَرِ» [5] . إذن كان هدفه الإصلاح في الأمة.

ماذا يعني الإمام بهذا الكلام؟ يعني أنه كان الفساد سائدًا في ذلك الوقت، وكان على مختلف المستويات في أيام حكم الأمويين، ولذلك رفع الإمام الحسين هذا المبدأ «مبدأ الإصلاح»، وهذا المبدأ هو مبدأ إنساني شامل، وهو عندما يتحدث عن الإصلاح فإنه يتحدث عن الإصلاح في العقيدة والأخلاق والفكر والاقتصاد والأوضاع القائمة في ذلك الزمان.

أي أن الإمام الحسين يريد إصلاح الإنسان، وعندما تكون الأمور جيدة وصالحة فإن جميع الأشياء تستقيم والأمور تستمر، فلو أن الأمويين قاموا بالإصلاح الحقيقي والشامل، ربما لم يقم بهذه النهضة لأنه بذلك يكون حقق الهدف الأساس الذي تحدث عنه الإمام الحسين ، بالإضافة إلى الدوافع الأخرى.

ويجب أن نركز على هذه النقطة حيث كانت حركته حركة سلمية لا حركة عنف، فالإمام لم يقم للحرب وإنما فرضت عليه الحرب، ولم يبدأ القوم بالقتال وإنما فرض عليه القتال، ولذلك لما أراد أحد أصحابه أن يبدأ القوم بالقتال أمره بعدم ذلك قائلاً له: «إني أكره أن أبدأهم بقتال» [6] . إذن الإمام الحسين كان يقوم بعملية سلمية والمناداة بشعار الإصلاح، والإصلاح قيمة من القيم الإنسانية الثابتة، وأما وسائل الإصلاح فهذه أمورٌ تتغير، فالإصلاح في ذلك الزمان يختلف عن الإصلاح في هذا الزمان، وطريقة الإصلاح وطبيعته يختلف من زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان، ومن مجتمع إلى مجتمع، ولذلك لا يمكن أن ننسخ نفس طريقة الإمام الحسين بثورته، ونلصقها في كل المجتمعات وفي كل الأوقات وكل الأحيان، لأنه وإن كان المبدأ نفسه ثابت، لكن وسائل تحقيقه تتغير، والإنسان عليه أن يسعى للإصلاح: أن يصلح نفسه أولاً، ومن حوله والمجتمع، لكن الطريقة والوسيلة والوسائل هذه تتغير من زمان إلى زمان آخر، لكن يبقى الإصلاح مبدأ إنساني، وقيمة إنسانية ينادي بها جميع العقلاء في هذا العالم.

الدافع الثاني - حفظ الكرامة الإنسانية:

الإنسان كائن كرمه الله تعالى، بنص القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ[7]  ولم يقل المسلمين أو يقل المؤمنين، أي أنه يدخل في التكريم جميع من هم في دائرة بني آدم وهو الإنسان إلا ما استثني بالدليل، والاستثناء يؤكد على القاعدة، القاعدة الأساسية هو أن الإنسان كائنٌ مكرم، كائنٌ عزيز أعزه الله وكرمه الله، وأراد منه الله أن يعيش مكرمًا في هذه الدنيا، والإمام الحسين عندما خير بين أن يعيش ذليلاً متخلياً عن إنسانيته، أو بين أن يستشهد ويموت في سبيل الحفاظ على كرامته الإنسانية، وطبعًا كرامة المجتمع وكرامة الناس، لأن الإمام الحسين لم يثر من أجل شخصه وذاته، وإلا كان بإمكان الإمام وهو ابن بنت رسول الله ﷺ أن يعيش مثل باقي الناس، ولكن من دون كرامة، والإمام أوضح هذا بوضوح وجلاء في الكثير من كلماته وأقواله، ومن ضمن ما قال : «ألا وإنَّ الدَّعِيَّ ابنَ الدَّعِيِ‏ قَد رَكَزَ بَينَ اثنَتَينِ: بَينَ السَّلَّةِ وَالذِّلَّةِ، وهَيهاتَ مِنَّا الذِّلَّةُ، يَأبَى اللَّهُ لَنا ذلِكَ ورَسولُهُ وَالمُؤمِنونَ» [8] .

إذن كان بين خيارين: خيار السلة أي خيار استلال السيوف، يعني بين مواجهة السيف وبين أن يعيش ذليلاً، فاختار الإمام أن يموت بعز. وهو القائل : «مَوْتٌ في عِزٍّ خَيْرٌ مِنْ حَياة في ذُلّ» [9] 

إذن هذا يؤكد على قضية الكرامة الإنسانية، أن يعيش الإنسان كريمًا وعزيزًا، وهو القائل وهو يؤكد على هذا المعنى: «لا أَرىَ الْمَوْتَ إِلاّ سَعَادَةً، وَالْحَياةَ مَعَ الظّالِمينَ إِلاّ بَرَماً» [10] .

إذن هو يرى الموت والشهادة سعادة وفي رواية أخرى: «إِنِّي لَا أَرَى الْمَوْتَ إِلَّا الْحَيَاةَ، وَلَا الْحَيَاةَ مَعَ الظَّالِمِينَ إِلَّا بَرَماً» [11] .

أي الموت في سبيل المبدأ والقيم الدينية والإنسانية، الموت بكرامة وعز هو حياة دائمة، وفعلاً هذا ما تحقق، فنحن نرى الآن كيف أن اسم الإمام الحسين يرفع في كل مكان، كيف أن الملايين من الناس الآن تهتف باسم الإمام الحسين، خصوصًا في زيارة الأربعين، ملايين البشر كيف تمشي على قدميها لزيارة الإمام الحسين ، إذن الإمام الحسين هو حي وخالد، وأما أعداؤه فقد ماتوا منذ زمنٍ بعيد.

إن حفظ الكرامة الإنسانية والدفاع عن حقوق الناس هي من الدوافع الأساسية التي دفعت الإمام الحسين للقيام بنهضته المباركة، نهضة الإمام الحسين كانت نهضة إحيائية من أجل إحياء الإنسان، نهضة من أجل تحقيق المبادئ والقيم الدينية والإنسانية والأخلاقية الثابتة التي يؤمن بها البشر.

إذن حفظ الكرامة الإنسانية مبدأ إنساني عام، فمن من البشر الأسوياء لا يؤمن بهذا المبدأ؟ من مِن الناس لا يريد أن يعيش مكرمًا معززًا؟!

إن حفظ الكرامة الإنسانية كان من الدوافع الأساسية لنهضة الإمام الحسين الخالدة.

الدافع الثالث - إقامة العدل ورفض الظلم:

العدل من القيم الإنسانية أيضاً التي أكد عليها الدين وأقرها البشر، فالعدل من القيم الدينية والإنسانية التي يؤمن بها الناس، والعدل معناه كما قال أمير المؤمنين : «العدل يضع الأمور مواضعها» [12]  فالعدل لا يعني المساواة، ويوجد فرق بين المساواة والعدل، فتارة نتحدث عن المساواة في الخلقة، والمساواة في الحقوق والتساوي في الواجبات، هذا أمرٌ مطلوب. وتارة نتحدث عن العدل بمعنى إعطاء كل إنسان ما يستحق، فالناس قد يتفاضلون في مؤهلاتهم، ولنأخذ مثالاً على الوظيفة؛ فالناس شهاداتهم ومؤهلاتهم تختلف فليس من العدل أن نعطيهم نفس الراتب!

والمبادئ الإدارية تقول: «ليس هناك أكثر ظلماً من معاملة المختلفين معاملة متساوية».

إن العدل يختلف عن المساواة، الإمام الحسين كان من دوافعه الأساسية هو إقامة العدل ورفض الظلم، وقد بيّن الإمام ذلك بقوله: «ألا وإنَّ هؤُلاءِ قَد لَزِموا طاعَةَ الشَّيطانِ، وتَرَكوا طاعَةَ الرَّحمنِ، وأظهَرُوا الفَسادَ، وعَطَّلُوا الحُدودَ، وَاستَأثَروا بِالفَي‏ءِ، وأحَلّوا حَرامَ اللَّهِ، وحَرَّموا حَلالَهُ، وأنَا أحَقُّ مَن غَيَّرَ» [13]  أي أن الإمام الحسين يقول: إن موقعي ومكاني تجعلان مني المؤهل لأقوم بدور المُغير ودور المصلح، لماذا؟ لأن هؤلاء القوم قد اتبعوا الشيطان والتزموا طاعته وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد.

إن الفساد كان منتشراً في المجتمع، ويتحدث المؤرخون عن ذلك، ومنهم المؤرخ المسعودي في كتابه المشهور: «مروج الذهب» عن الفساد الذي كان سائدًا أيام الحكم الأموي، وكذلك تعطيل القوم للحدود الإسلامية التي أقرها الإسلام ودعا إلى تطبيقها، فقاموا بتعطيلها إلى آخر كلامه ، فإذن معنى كلام الإمام أن الظلم كان هو السائد، وأن الإمام كان يسعى إلى إقامة العدل الذي تقوم عليه فلسفة التشريع، وعليه تنتظم الحياة، ويستقيم الاجتماع الإنساني، لذا ركز القران الكريم على قيمة العدل ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ[14]  وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ[15] .

إذن قيمة العدل من القيم الإنسانية التي يأمر بها الله سبحانه لإقامتها بين الناس، وهي من الدوافع الأساسية التي دفعت بالإمام الحسين إلى نهضته الإحيائية المباركة التي ركز من خلالها على هذه القيم التي هي قيم إسلامية، وقيم إنسانية، فالإصلاح قيمة إنسانية وقيمة يؤكد عليها الإسلام، حفظ الكرامة الإنسانية هي قيمة دينية وقيمة إنسانية، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان عندما يبدأ ديباجته فإنه يبدأ ب «حفظ الكرامة الإنسانية» إذن هذا موضوع إنساني أيضًا، تحقيق العدل ورفض الظلم هذا من الأمور الأساسية التي ركز عليها الإسلام وأقرتها القوانين الحديثة أيضاً؛ فالظلم قبيحٌ في ذاته، وقد حرمه الله سبحانه وتعالى وحرمه على نفسه وجعله على غيره محرماً أيضاً، وأمر بإقامة العدل، إذ أنه إذا تمّ إقامة العدل فالأمة ستعيش في سعادة واطمئنان ورغد من العيش، كما أشار أمير المؤمنين بقوله: «بِالعَدلِ تَصلُحُ الرَّعِيَّةُ» [16]  وعنه قال: «بِالعَدلِ تَتَضاعَفُ البَرَكاتُ» [17] .

والعدل يجب أن يكون مع الصديق ومع العدو أيضاً، يقول أمير المؤمنين - وهو يوصي ابنه الإمام الحسين -: «وبِالعَدلِ عَلَى الصَّديقِ والعَدُوِّ» [18] ، ولا يقتصر العدل على جانب دون آخر، بل يشمل جميع جوانب الحياة من أصغر الأمور إلى أكبرها.