آخر تحديث: 30 / 10 / 2020م - 8:03 م

أخبرتك أني لست بخير...!!

الدكتور محمد المسعود

«أخبرتك أني لست بخير». جملة منحوتة على رخامة قبر في ولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة الأمريكية، من الواضح أن الفتاة المتوفية رغبت أن تستبقيها لأحد خذلها وقت حاجتها إليه، أو ربما لم يبصر الضمور، والضعف، ولم ير الوهن وهو يسلب القوة. والتعب السالب لكل رغبة والسالب لكل حس..!

هذا العتب الرفيع.. هو أقسى من أن يحتمل، ذنب أكبر من أن يغفره ضمير حي لصاحبه..!. لأنه فيما يعنيه.. إن يموت الإنسان وهو على يقين بخذلان من حوله له، أو بخذلان من يحبهم أكثر من نفسه، أو بخذلان من لم يتوقع بحال أن يخذلوه وهو في هذا الضعف الذي أفضى به إلى الموت.

قرئت هذه العبارة. وتاهت مني نفسي..!!. كم مرة خذلنا رجاء قلوب تعلقت بنا.. كرجاء أخير في حياتهم..!!. كم مرة أعرضنا عن وجوه كنا نحن الوجهة الأخيرة في قلوبهم..! وكم هي المرات التي تباعدنا عن نفوس ليس لها في الدنيا ظلا تستظل به غيرنا!! كم مرة ننظر في الوجوه ولا نبصر التحول، ونمر على العوز ولا نراه، ويتجلى لنا من العيون ضراعة يلجمها التعفف عن البوح..! وبعد الرحيل نبصر ما كان حاضرا يحجبنا عن رؤيته حجابا من انشغالنا بأنفسنا وقلة التبصر بحال من هم بحاجة إلينا. ربما كان حبك وإظهاره، ربما اهتمامك وإسباغه، ربما عطفك وفيضه.. وربما بقية من عطية حب تبذلها كفريضة من فرائض نبلك ومحبتك ومروءتك وإنسانيتك. دون أن تحوجهم لطلبها، أو تشعرهم بتفوقك عليهم ببذلها

الفتاة التي قررت أن تؤلمنا جميعا لأنها تركت من خلفها موعظة لقلوبنا، وإنارة لضمائرنا.. إن خيبة الأمل فينا ممن يحبنا بصدق ذنب كبير، وأن خيبة الرجاء ذنب، وأن الغفلة عن أوجاعهم ذنب كبير.. أما إن أفصح وباح ونطق لسانه بضعفه وهشاشته، أو يده رفعها بالطلب، وعيناه بالرجاء فيك..فأنت أمام فريضة من أعظم فرائض الشرف الرفيع.

في نهاية المطاف دائما ما تحمل نفوسنا قوائم بأسماء الذين» ظلمونا» والذين خذلونا عند حاجتنا إليهم..أو لم نجدهم ونحن بأشد الحاجة إليهم..!! ولكن قلما نحمل قائمة مماثلة بأسماء الذين ظلمناهم في لحظة قوة مغرورة، أو الذين أسأنا إلى مشاعرهم، أو الذين لم نرتفع بعد لرد الجميل إليهم، أو الوفاء بإحسان سبقونا إليه، المخذولين من المحبين المخلصين الذين لم نتتبع بحب شدة حاجتهم لنا حبا وعطية. ربما تصلنا «لقد أخبرتك أني لست بخير». ولكنها هذه المرة منحوتة على قبر مخذول صاحبه من أحبك بتمام قلبه وكان خذلانك أقوى من قدرته على احتماله.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
.
[ Americans ]: 21 / 8 / 2020م - 10:52 م
جميل هذا الاحساس المرهف بهذه العبارة
التي تلامس شغاف الوجدان والضمير الانساني الحي في الوقوف الصادق لمن يحتاجنا
احسنت دكتور وننتظر المزيد.