آخر تحديث: 5 / 12 / 2020م - 5:56 ص

فتح كربلاء ”3“

محمد أحمد التاروتي *

إزالة غشاوة القلوب، وانارة الابصار باتجاه الحق، احدى ارهاصات واقعة كربلاء، فالجيش الأموي الذي زحف لمحاربة الامام الحسين ، تحرك لاطماع دنيوية ونتيجة الفتاوى الباطلة، ”الحسين خرج عن حده فيقتل بسيف جده“، فهذا الجيش توزعت اهواءه، بين الفوز بجائزة ابن زياد بقتل سيد الشهداء، والخوف من سيف ابن مرجانة، الامر الذي ساهم في تجييش كل شخص، قادر على حمل السيف، لمقاتلة الحسين .

فالمعركة الخالدة اسقطت جميع الأكاذيب، التي روجها ابن زياد لمواجهة سيد الشهداء ، خصوصا وان الممارسات التي ارتكبها الجيش الأموي، تتجاوز الأعراف العربية وقوانين الحروب، ونسفت القيم الأخلاقية والمبادئ الإنسانية، بحيث شكلت مراجعة قوية، بخصوص الأهداف الحقيقية وراء ارتكاب، مثل هذه الجريمة النكراء، فالمعسكر الأموي لم يكتف بقتل الكبار، وانما عمد لاراقة دماء الأطفال، فضلا عن الاقدام على اعمال فظيعة تتجاوز القيم الإسلامية، ولعل ابرزها رض الأجساد وكذلك حرق الخيام، وغيرها من فظائع يوم الطف.

قراءة تفاصيل يوم عاشوراء، يعطي صورة واضحة، لاختلاف القيم الأخلاقية، والمبادئ الإنسانية، بين معسكر سيد الشهداء ، والجيش الاموي، نظرا لاختلاف اهداف كل معسكر عن الاخر، ففي الوقت الذي يقول فيه سيد الشهداء ”إني أكره أن أبدأهم بقتالٍ“، فان عمر بن سعد قائد الجيش الاموي يقول ”اشهدوا لي عند الأمير اني اول من رمى“، مما يعكس الفوارق الكبيرة بين الطرفين، فالاول يتحرك وفقا لقواعد إسلامية راسخة ”فإذا وقع السيف انقطعت العصمة، وكنّا أُمّة وأنتم أُمّة“، بينما الثاني يتعامل بمنطق الانتقام، والحقد الكبير ”نقاتلك بغضا منا لأبيك! وما فعل بأشياخنا يوم بدر وحنين“.

اسقاط جميع الأكاذيب التي روجها الاعلام الاموي، لمواجهة سيد الشهداء في يوم الطف، يشكل احد ملامح ”الفتح“ على الصعيد الفردي، والجانب الاجتماعي، فالكثير من المجتمعات الإسلامية اكتشفت زيف الاعلام الاموي، التي مهدت الطريق للاقدام على هذه الجريمة المروعة، خصوصا وان يافطة ”الخروج على الخليفة“ سقطت بدون رجعة بعد واقعة كربلاء، حيث اكتشفت الامة الإسلامية مدى الحقد الذي يكنه بنو امية تجاه سيد الشهداء ، لاسيما وان الممارسات التي أعقبت المعركة العسكرية لا تمت بالقيم الأخلاقية بصلة مطلقا، مما يكشف الطبيعة الوحشية التي تحرك الجيش الاموي.

اكتشاف حقيقية معركة الطف، لم يعد مقصورا على شريحة فئة معينة، فهذه المعركة باتت كتابا مفتوحا للجميع، بحيث تجاوزت اصداءها الاطار الإسلامي، لتصل الى الضمير الإنساني على ظهر كوكب الأرض، خصوصا وان التزام معسكر الحسين بالقيم الإسلامية، وعدم التنازل عن المبادئ، سواء قبل المواجهة الحربية او بعدها، الامر الذي يحرك البصير ة الإنسانية، لمواجهة الهجمة الإعلامية الاموية، لاسيما وان يزيد بن معاوية حاول تحميل عبيد الله بن زياد، مسؤولية الجريمة النكراء بقوله ”عجل عليه ابن زياد“، بيد ان تلك المحاولات لم تصمد امام حقائق التاريخ.

محاولة طمس الحقائق لم تستمر طويلا، حيث استطاعت ثورة الحسين قلب الطاولة على الاعلام الاموي، من خلال وضع النقاط على الحروف، بخصوص الأهداف الحقيقية وراء النهضة الحسينية، مما يشكل عنصرا أساسيا في انارة الطريق امام الجميع، فالعملية لم تعد غامضة بالنسبة لطالبي الحقائق، والوقوف على الأهداف الحقيقية، سواء بالنسبة لمحركات بني امية لارتكاب اكبر جريمة في التاريخ، او الأهداف النبيلة لحركة سيد الشهداء ، لاسيما وان جميع محاولات تغطية هذه الجريمة، باعتبارها صراع سياسي لم تصمد طويلا، حيث تمكنت هذه الثورة الخالدة من رفع الغشاوة عن القلوب، وتحريك العقول باتجاه البحث عن الحقائق، بعيدا عن ”الثقافة“ المعلبة، التي حاول الاعلام الاموي تقديمها للامة الإسلامية، بهدف تمرير هذه الجريمة دون عواقب تذكر.

وقال الامام الحسين في رساله الى نبي هاشم ”اما بعد فان من لحق بي استشهد، ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح“.

كاتب صحفي