آخر تحديث: 28 / 10 / 2020م - 5:06 م

مقاربات في السياسة والتاريخ

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

حين نتحدث عن مفهومي السياسة والتاريخ، فإننا نتحدث عن الإنسان، ككائن فاعل في تطويح الطبيعة، وافتراضاً تسخيرها لخدمة البشرية، وذلك ما يتسق مع رؤية نظرية النشوء والارتقاء، من حيث تعريفها للإنسان، بأنه حيوان اجتماعي، بمعنى أنه الكائن الذي يمارس بوعي، أنشطة اجتماعية مشتركة. ِ

والتعريف يقترب كثيراً من رؤية الكاتب الراحل، أحمد بهاء الدين، في أن الإنسان حيوان بتاريخ. والمعنى يشير إلى أن الإنسان يستفيد من تجاربه، ولا يعيد تكرار ما هو بائس منها.

ومفهوما السياسة والتاريخ لهما علاقة بعلم الأخلاق. وللإغريق، فضل ربما فيه. فوسيلة التعلم هي مضاهاة الحاضر بالماضي، مع تأكيد عدم قابلية التجارب الإنسانية للتكرار. وإلا لكنا سلّمنا بمقولة أن التاريخ يعيد نفسه، وهنا ينتفي دور التاريخ، لأنه مع غياب الحركة والتعاقب، لا تغدو هنالك حاجة للتدوين.

وفي النزعة المادية، فإن التاريخ هو من صنع الإنسان، الذي هو وليد الظروف والتربية، وبالتالي فإنه يتغير بتغير الأوضاع وتجديد التربية. لكن هذه الرؤية، تتجاهل، أن الفكر قوة تاريخية، وأن الإنسان هو من يغير الأوضاع. وأن المربي يحتاج إلى تربية وتجدد مستمرين.

هذه المقدمة، تفصح لحد كبير، عن طبيعة الأزمة العربية، ومعضلة الازدواجية التي يعانيها الفكر العربي. تداخل بين التقليد، والمعاصرة، وتوق للتقدم باستخدام مفاهيم الماضي، وغياب الالتزام بالمنهج التاريخي. فهناك ضمن ما ساد بالفكر العربي، من انطلق من نظرة عدمية ساكنة تمسكت بالنصوص، والتلقين والتقليد، ورفضت التفكيك والتحليل، وكل ما يمت للمعاصرة.

وضمن ما ساد أيضاً، خط التلاقح بين الأصالة والمعاصرة، وقد قدر له أن يقود مسيرة الكفاح العربي، نحو الاستقلال. وكان للطبقة المتوسطة، وفكرها المطعّم بنفحة عصرية، شرف قيادة المرحلة الأولى من الكفاح الوطني. وكانت هذه الطبقة أسيرة انفصام مر بين افتتانها بالمحتل، ومقاومتها له. وخط ثالث طالب بالقطع مع الماضي جملة، وتفصيلاً.

لقد استمر الانفصام الذي عاناه الفكر العربي، حتى يومنا هذا. فنحن لا نزال نعيش ثنائية المطالبة بالعصرنة، والتحديث، وتوسل التقليد، وآلياته، كوسائل للولوج مرحلة التحديث. وهو وجه آخر للخلل بين الفكر، والممارسة، بين توسل الحداثة، سبيلاً للانتقال بالمجتمع العربي، من راهنه المتجلبب بعصر غيره، إلى التماهي بين راهنية الفكر، وراهنية الممارسة، وجعلهما حالة واحدة.

لقد خاض خط المزاوجة بين التقليد، والمعاصرة، معارك التحرر الوطني. وفي الفترة التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية، اكتمل تحرير معظم البلدان العربية، بنهاية حقبة الستينات من القرن الماضي، لكن ذلك لم يغير كثيراً في الواقع الاجتماعي، والسياسي العربيين.

استمرت الأزمات التي سادت أثناء حقبة الهيمنة الكولونيالية حتى يومنا هذا. وعجزت النخب، عن إحداث تغيرات جذرية تنقل الأمة من حال الضياع. وفي ظل واقع العجز، استمر الخلل الذي واجهته حركة اليقظة العربية، والمتمثل في المطالبة بالعصرنة والتحديث، وتوسل التقليد. وأقل ما يمكن أن نوصف به هذا الخلل أنه نتاج أزمة تاريخية، تمثلت مع عدم القدرة على تجاوز الثقافة البطركية، إلى حال الدولة المدنية.

ولم يحدث انفكاك للنخب العربية من ترسبات الماضي، على الرغم من الأصوات العالية المطالبة بالحداثة. وكان ذلك في حقيقته انعكاساً موضوعياً لهشاشة الهياكل الاجتماعية التي انبثقت منها تلك النخب، وغياب المشروع القادر على تحقيق التجانس بين المعنى، والمضمون، واعتماد أدوات غير قادرة على تحقيق مشروع إعادة البناء، ونداءات العصرنة تتداخل مع المطالبة بالحفاظ على الأصالة، وكلاهما على طرفي نقيض، تبعية في الثقافة والسياسة والتربية، لماض سحيق ولغربة في الجغرافيا، وعجز عن الوصول إلى نقطة التقاطع في العلاقة بين الجغرافيا والتاريخ.

وإلى جانب كل هذا، نقل مشوه لأفكار الحداثة، من غير خلق أو إبداع، وخلط غريب بين الحداثة، وما بعدها، وعدم قدرة على صياغة فلسفة عربية جديدة، لأن مثل هذا الخلق يتطلب استحضار ما له علاقة بالبرهان، في موروثنا، والبناء عليه، وليس العودة إلى ما قبله، بعهود سحيقة؛ بل إننا تواطأنا، نخباً وقيادات، ضد منجزاتنا التنموية، والاقتصادية، وانتصاراتنا الوطنية، واعتبرناها حلقة معتمة، وعدمية في التاريخ العربي، ينبغي تجاوزها، مع أنها الأجمل في كل تاريخنا. وحين يغيب الوعي عند الأمم، تلجأ إلى الحيل الدفاعية، وهكذا لجأت الأمة في عدد كبير من أقطارها إلى ماضيها، في أكثر حلقاته تكلساً وتأخراً، كآخر ملاذ تستند إليه. فكان استحضار رممية التطرف بديلاً عن الحلم اللذيذ في الحرية والانعتاق.