آخر تحديث: 24 / 10 / 2020م - 11:32 م

الحسين - أنا مِغزَل كل الروايات!

مع أن ذكرياتي مع والدي في العزاءِ شحيحة وبعيدة إلا أن ذكريات حضوري معه في اليوم الثامن من شهر محرم، وسماع رواية أن صبيًّا في عمري حينها اسمه ”القاسم بن الحسن“ فكَّر أو شرعَ عمه في تزويجه تحت ظلال السيوف، ثم تمر الشموع يحملها صبية وقطرات ماء الورد الباردة تبلل وجوه الحاضرين فتؤلمهم وتنتابهم نوبةٌ شديدة من البكاء مع صوت النادب مشفوعًا بصوت الحاضرين يعلو مطالبًا من بني هاشم، أجداد الصبي وأعمامه ووالده، في المدينة الحضور لإتمام مهمة الحفل المتروكة للنساء والصغار. وكما تنتهي كل الروايات الجميلة انقطعت نعاله اليسرى وانحنى ليصلحها بين الأعداء، حينها تناهبت سيوفهم ورماحهم الكثيرة لحمه الغض وجسده النضر كانت من أجمل الروايات الحزينة!

حتى بعد أن كبرت وقرأت لمن قال هذه رواية عرسٍ صحيحة ومن قال هذه ليست معتبرة لم يمح الجدل من فكري أن صبيا جميلا شجاعا عرف الحق وهو صغير، نازل صناديدَ الأعداء شامخًا سامقًا في علوه. ولم تجعل في رأيي هذه الاضافة رواية ملحمة الحسين الشاملة ناقصةً لا في هدفها ولا في مسارها ومنتهاها الذي وصلت إليه.

فليس من غابةٍ ممطرة إلا وتنمو حول أشجارها السامقة في العلو الأزهار والورود والأشواك التي مهما علت لن تصل لارتفاع الأشجار وتحجب عن الغابة أشعة الشمس، وهذا ما يكون في روايات أحداث كربلاء سنة 61 هجرية. لم يدع فيها الرواة الحقيقيون والمغرضون والفنانون والمبدعون زاويةً تجملها وتزينها أو تسممها وتشوهها إلا وعملوا فيها. ومع ذلك يبقى النص الأصلي للحدث طريا مشرقا لن يشوبه ما يخرجه عن قساوته ونتائجه الكارثية.

ولعل كثيرًا من الأحداثِ في الواقعة تشبه رواية العرس - الحزينة - هو من الفن الجميل العاطفي الذي لن يغلب العقل مهما طال واستطال، فإن بقي لن يضر وإن اختفى لن يخفف من وقع الحدث الأكبر. فثمة بونٌ شاسع بين الفن الجميل الذي وإن لم يكن واقعًا وجزءً فعليا من لوحةٍ رائعة وملحمة خالدة، وبين ممارسات تشويه وافتراءٍ واضح، وفي كل الأحوال لقد اكتسبت ملحمةُ الحسين من الأصالة وتشربت من الخلودِ ما يمكن للمنصف أن يفرق بين السقيم والسليم من الإضافاتِ والرتوش.

بحق لم تثرِ قضيةٌ انسانية مثل قضية الإمام الحسين الشعورَ الوجداني شعرا ونصا وخيالا، وكأنها نهر جارف من الصور الإبداعية يستعصي على النضوب. وكان الخيالُ عنصراً من عناصر الملحمة، يشط في العاطفةِ أحيانًا، إذ بدونه تفقد كلمةُ ”خيال“ معناها. أما حقيقتها فقد تأصلت وتجذرت واكتسبت مناعةً كافية من أن يغطي شطرها العاطفي على شطرها الواقعي.

مستشار أعلى هندسة بترول