آخر تحديث: 27 / 10 / 2020م - 4:08 م

حين زرت الحسين (ع) أول مرة!

أول مرةٍ رأيت فيها مقامَ الحسين في كربلاء كان في عام 1388 هجرية. وصلنا من محطةِ الحافلات، وبحثنا عن ”خان“ وهو سكن من حجراتٍ تحيط بالمبنى وتطل من الأعلى على فناءٍ في وسطهِ بُركة ماء تغسل النساءُ فيها الثياب، وتحيط بالبركةِ حجراتٌ أرضية. يتسلل الماءُ داخل فناءِ الخان من الأزقةِ الضيقة عندما تمطر لأنه أسفل منها.

كان من أجملِ الروائح حينها روائح التبغ، الذي تدخنه نساءُ القطيفِ والأحساء والبحرين، والشاي المطبوخ الذي يحتسيه الرجال عند انكسارِ حرارة الشمس المرتفعة في صيفِ العراق. ولضيق المكان، كانت النساء يجتمعن لوحدهن والرجال كذلك في أغلبِ الأوقات، وكان لابد من وجود صبيةٍ في عمري يجرون حول الفناء ويتسلون بإزعاجِ الكبار.

لكن البهجةَ الحقيقية تحين عندما نخرج من بابِ الخان صاعدينَ للأعلى ونمشي بين السككِ والدكاكين، ثم بعد لحظاتٍ يظهر منظر القبب المذهبة تلمع حتى تعشي الناظر. فالحرم بكل زخارفهِ ورخامه الموشى وسقفه المزين بالزجاج العاكس، وأبوابه المذهبة أجمل من المباني القريبة كلها. مبنى وكأنه في وادٍ بين تلالٍ اختفت، ولا تزال معالم المعركة التي جرت في 10 محرم سنة 61 هجرية واضحة في مواقعِ سقوط القتلى وأشلائهم، لكن المساحة لا تبدو بحجم الحدث التاريخي.

أسرني منظرُ الشباك المقسم بالمربعاتِ المذهبة اللامعة الذي يحيط بالقبور، وأكبرها الذي يضم قبرَ الامام الحسين وتحت قدميه نجله الشهيد علي الأكبر «ْع»، ثم أنصاره في بقعةٍ قريبةٍ منه، ومكان منحره يبعد أمتارا عن مدفنه. وأرضية الشباك لا تكاد ترى، لأن الدراهم والدنانير والعملات الأجنبية التي يرميها الزائرون تتجمع فوقها، ورائحة العطر المعتق تجذب الناسَ كالنحل نحو القبر. وحرمٌ للعباس يبعد عنه حوالي 400 مترا يضاهيه في البداعة والجمال.

كنت يومها طفلًا صغيرًا في العقدِ الأول من عمري، اختبِئُ بين أطرافِ خُمُر النساء وأسمع دعواتهن وأمنياتهن، وتمر في شريطِ ذكرياتي صورةٌ لامرأةٍ كأنَّها رأت أيامي هذه التي أنا فيها الآن، في العقدِ السابعِ من سنواتِ العمر. حينها كانت صبيةً وطلبت ثلاثَ أمنيات، قرَّبت وجهها من مربعاتِ شباك الذهب التي يحيط بالقبر، وحنتْ رأسها وسارَّت الحسينَ كأنهُ حبيبها تلوذ به من أشواكِ السنينِ الغضة وحددت المطالب: ”سيدي: أبغي زوجًا وولدًا وزيارة“. أعجبتني الأمنيات وتبنيتها، فما المانع؟ لم أكن أعلم أنها أمنياتٌ سيكون دونها خرطُ القتاد.

الآنَ وقد مضى أكثر من خمسينَ عامًا على الحادثة، لعلَّ المرأة التي كانت صبيةً حينها هي في السبعيناتِ من العمر، تقرأُ ما كتبتُ وتذكر أمنياتِها وهي تطوفُ على قبرِ السيدِ الكبير مع زوجها وابنها الذينِ تمنتهما؛ فكل رجائي وطلبي منها أن تذكرَ الطفلَ الصغيرَ الذي سحبَ طرفَ ردائها قبل أربعة وخمسين عامًا وتعرفَ أنه كبر، ولكنَّ أحلامه لم تتغير ولم تتبدل. وودَّ لو أنَّ له جناحانِ يخترق بهما كلَّ الحدود، ويذهب أينما شاء وكيفما شاء ومتى ما شاء. وهاهو ذا لم يزل يتسكع تائهًا على قارعةِ طريق ود وحب الحسين بذكرياتٍ منذ زمنٍ طويل، مشفق القلبِ منفيا من الوصلِ والوصال وتدعو له.

ذكرياتٌ وأمنياتٌ تتجدد في التاريخِ والزمان، وتتمدد في المكانِ والجغرافيا، فهذا ما أعطى اللهُ الحسينَ من سلطةٍ روحية ومعنوية على قلوبِ الناسِ دون تمييز. تهوي إليه قلوبهم وأفئدتهم، فتراهم يشخصونَ له بأبدانهم وينفقونَ في شأنه أموالهم.

سوف أحتفظ بهذه الذكريات القديمة وأجدد الأماني كلَّ صباحٍ ومساء. سوف أكتبها فوقَ الغيمِ وتحتَ الأرض، فمن يدري ربما يدعوني الحسين مرةً أخرى لأراه قريبا!

مستشار أعلى هندسة بترول