آخر تحديث: 5 / 12 / 2020م - 5:56 ص

استحواذ القلوب

محمد أحمد التاروتي *

الخدمة الاجتماعية احدى الطرق السالكة، للدخول في القلوب بدون حواجز، فالمرء الصادق في اعماله ليس بحاجة الى الماكنة الإعلامية، او تسخير الإمكانيات المادية لاقحام ذاته في البيئة الاجتماعية، فالاعمال سفير الانسان لوضعه على خارطة المحبة الاجتماعية، وبالتالي فان العمل على توظيف جزء من الوقت للمشاركة في المبادرات الاجتماعية، يكشف الكثير من الجوانب الأخلاقية لدى المرء، مما يعزز من صورته في الوسط الاجتماعي، بحيث تظهر تلك المحبة في الكثير من المواقف، سواء على الصعيد الفردي او الجمعي.

رسم الصورة الجميلة للمرء يتطلب الكثير من الجهد، فالدخول الى القلوب يكون أحيانا سريعا، بيد ان المشكلة تكمن في الاستقرار في القلوب، ومواصلة مشوار الاستمرار في المحبة، فهناك الكثير من الشخصيات وضعت نفسها في مواقع متقدمة، ولكنها فشلت في الاحتفاظ بتلك المكانة على المدى الطويل، نظرا لتبدل المواقف واتخاذ مواقف معاكسة للتطلعات، والامال الاجتماعية، الامر الذي يستدعي التحرك وفق منهجية واضحة لامتلاك القلوب، والسيطرة على المشهد الاجتماعي، من خلال إيجاد الاليات والبرامج القادرة على احداث الفرق في العمل الاجتماعي، لاسيما وان المبادرات الابتكارية تحدث اثرا عميقا في البيئة الاجتماعية، مما ينعكس بصورة مباشرة على رفع مؤشر المحبة في المجتمع.

البحث عن محبة المجتمع لا يتطلب بذل الأموال او الحرص على نشر المواقف النبيلة، فالاخلاص يمثل الطريق الأسرع لاختصار المسافات الطويلة، لاسيما وان الكثير من البشر لا يبذلون الجهد الكبير لتلميع الصورة في البيئة الاجتماعية، بيد ان الاعمال الاجتماعية تتحدث عن نفسها بطريقة غير متوقعة للاطلاق، الامر الذي ينعكس على زيادة رقعة المحبة الاجتماعية في النفوس، وبالتالي فان بذل بعض الوقت بما يعود بالفائدة على الجميع، يشكل عنصرا أساسيا في تحريك مشاعر المحبة، خصوصا وان بذل الأموال للاستحواذ على الافئدة، لا يحقق سوى نتائج مؤقتة، بحيث تتلاشى مع انقطاع تلك الأموال عن الأطراف المستفيدة منها.

المشاركة الاجتماعية تعكس الكثير من القيم الأخلاقية لدى أصحابها، مما يترجم على شكل ممارسات خارجية ذات اثر إيجابي، على الصعيد الاجتماعي، خصوصا وان التصنع حبله قصير للغاية، فالمواقف تكشف أصحابها عند المواجهة الحقيقية، الامر الذي يعطي انطباعات مختلفة تجاه الأطراف الأخرى، فهناك اطراف تحاول الصعود على اكتاف المجتمع، بواسطة افعال ”رياء“ غير قادرة على الصمود كثيرا، لاسيما وان العمل الاجتماعي يتطلب الكثير من الجهد في سبيل المصلحة الاجتماعية، بمعنى اخر، الذوبان في الصالح الاجتماعي، وتجاهل الاطماع الشخصية، عنصر أساسي في امتلاك محبة الاخرين، فالظهور الإعلامي وتصدر المشهد الاجتماعي ليس واردا لدى ارباب الخدمة الاجتماعية، بخلاف الأطراف الساعية للظهور الإعلامي، ومحاولة ركوب الموجة في جميع المناسبات، ذات الاصداء الاجتماعية.

الخدمة الاجتماعية نتائجها ليست مقصورة على المرحلة الراهنة، فهناك الكثير من الاعمال بقيت اثارها قائمة لعدة أجيال، مما يؤسس لحالة اجتماعية إيجابية تساعد على مواصلة المشوار، لتكريس مفاهيم العطاء، وتقديم الصالح العام، على المكاسب الشخصية الانية، انطلاقا من قاعدة ”من استن بسنة حسنة فله اجرها واجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شئ ومن استن بسنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غيران ينقص من أوزارهم شئ“، وبالتالي فان عملية المشاركة الاجتماعية تنطلق أحيانا، من الثقافة الشخصية الداعمة، للدخول في المبادرات الاجتماعية، باعتبارها جزء من رد الجميل تجاه البيئة الاجتماعية، بالإضافة لذلك فان الثقافة الاجتماعية لاعب أساسي في تشجيع الخدمة الاجتماعية، مما يعزز مثل هذه القيمة الأخلاقية ذات الأثر الكبير على الاطار العام.

محبة الناس تمثل احدى الاثار المترتبة على الخدمة الاجتماعية، فهناك الكثير من الاثار الأخرى الناجمة، عن عمليات الانخراط في المبادرات الاجتماعية، لاسيما وان المشاركة الاجتماعية توسع الافاق لدى الفرد، وتعزز التجارب الحياتية، فضلا عن توسيع القاعدة الاجتماعية، فيما يتعلق بالعلاقات الشخصية، مما يقضي على ”الانعزالية“، وحياة الانغلاق التي يعيشها البعض، من خلال الاكتفاء بدائرة اجتماعية محدودة للغاية، مما يحول دون اكتشاف طاقاته وقدراته الكثيرة، الامر الذي يحرم المجتمع من تلك الكفاءات والقدرات البشرية، وبالتالي فان الدخول في الخدمة الاجتماعية يختزل الكثير من الفوائد، على الاطار الشخصي والاجتماعي، ولعل ابرزها اتساع دائرة المحبة الجارفة في قلوب الناس.

كاتب صحفي