آخر تحديث: 25 / 11 / 2020م - 7:00 م

الطارئ.. الثابت

محمد أحمد التاروتي *

التمسك بالثوابت عملية أساسية في الارتقاء، وتفادي الوقوع في الافخاخ على اختلافها، لاسيما وان الركض وراء السراب يترك تداعيات على الصعيد الفردي والجمعي، فالمرء الذي يتحرك باتجاه التقليد وعدم الاحتفاظ بالهوية الخاصة، لا يجد الاحترام والتقدير من لدن الأطراف الأخرى، بخلاف الثابت على المواقف، حيث يجد الاحترام والتقدير من الخصم قبل الصديق، نظرا لتمسكه بمواقفه وعدم التنازل عنها.

محاولة تبرير القفز على الثوابت ليست قادرة على الصمود، خصوصا وان عملية التنقل من ضفة لاخرى يعطي انطباعات سلبية، فالطرف الذي يتخلى عن مواقفه بسهولة، لا يمكن الوثوق به على الاطلاق، نظرا لادراك الأطراف الأخرى بصعوبة الاعتماد، على هذه الفئة في الأوقات الحرجة، فهي لا تتورع عن الهروب من الساحة، بمجرد الشعور بالخطر، او الحصول على مكاسب جديدة، الامر الذي يدفع باتجاه وضع جميع الاحتمالات في الاعتبار، لاسيما وان التعاطي مع أصحاب المواقف المتحركة، يختلف تماما مع أصحاب المبادئ الثابتة.

الاستفادة من الحوادث الطارئة عملية مشروعة، وليست مستهجنة على الاطلاق، خصوصا وان التعامل مع الظرف الطارئ يكشف القدرة على تسخير الأوضاع، غير الطبيعية للمصلحة من جانب، وكذلك وجود المرونة الكبيرة في إعطاء المرحلة الراهنة أهمية قصوى من جانب اخر، بيد ان المشكلة تكمن في تحويل الظروف الطارئة الى حالة مستدامة، من خلال التخلي الكامل عن الثوابت، ومحاولة لبس ثوب آخر لا يتناسب مع المقاسات الحقيقية، مما يحدث حالة من التخبط والضياع، وادخال الجميع في حيرة، وعدم استقرار، في الكثير من المجالات المفصلية.

الإصرار على التعامل مع الاحداث الطارئة بطريقة خاطئة، يكشف مدى هشاشة التفكير المنهجي لدى أصحاب ”المواقف السرابية“، حيث تحاول هذه الفئة لادخال البيئة الاجتماعية، في مواقفها بطريقة مباشرة أحيانا، وغير مباشرة أحيانا أخرى، من خلال تسخير جميع الإمكانيات، وتوظيف النفوذ الاجتماعي، لاشاعة أجواء عامة، بخصوص المواقف الجديدة المتبناة تجاه القضايا الكبرى والمفصلية، بهدف وضع الجميع على سكة ”الضياع“، وبالتالي فان، محاولة ادخال البيئة الاجتماعية بالمواقف الانتهازية والطارئة، يساعد في الخروج من حالة ”الحرج“، في حال التعرض للانتكاسة الكبرى.

التخلي عن الثوابت يترجم في الكثير من المواقف، حيث يلاحظ في الاستدارة الكاملة، تجاه الملفات الاجتماعية الكبيرة، من خلال التحول من اقصى الشمال الى اقصى اليمين بين ليلة وضحاها، فتارة تكون الاستدارة ذات اثر مصلحي قصير الأمد، وتارة أخرى مرتبطة بالضغوط الكبيرة لاتخاذ هذه المواقف، نظرا لعدم القدرة على مواصلة التمسك بالمواقف الثابتة، الامر الذي يدفع لاظهار المواقف المنسجمة مع الظروف الطارئة، بمعنى اخر، فان الخوف من لفقدان الكثير من المكاسب، بالإضافة للخشية من انحسار بعض النفوذ الاجتماعي، يحفز لانتهاج سياسة ”القفز“ باتجاه متعددة، بحيث يكون التخلي عن الثوابت السمة البارزة لدى بعض الأطراف، خصوصا وان ضريبة التمسك بالمواقف الثابتة كبيرة، بحيث تتطلب الكثير من التضحيات، مما يجعل عملية تحمل تلك التضحيات صعبة، على بعض الفئات الاجتماعية، بحيث تظهر على شكل ”تلون“ تبعا للظرف السائد، والتحرك وفقا لمتطلبات المصالح الشخصية.

وضوح الرؤية تشكل عنصرا أساسيا في التمسك بالمواقف الثابتة، خصوصا وان التأرجح مرتبط في أحيانا بالضبابية في الرؤية، وعدم القدرة على القراءة الدقيقة، مما يجعل عملية التخلي عن تلك المبادئ ليس مستغربا على الاطلاق، وبالتالي فان الايمان الراسخ بالثوابت، يشكل جدارا سميكا في وجه المغريات المقدمة، وعدم الاستجابة لكافة الضغوط على اختلافها، سواء المادية او المعنوية، الامر الذي يكشف الفئات القادرة على الصمود في اشد المواقف، والأطراف المستعدة للتنازل، مع المواقف بمجرد المواجهة الحقيقية، " أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا ? وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ ? كَذَ?لِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ? فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ? وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ? كَذَ?لِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ".

كاتب صحفي