آخر تحديث: 26 / 11 / 2020م - 3:47 م

فوضى القرارات

محمد أحمد التاروتي *

انعدام الرؤية، والافتقار الى المعرفة، والضغوط الاجتماعية، ومسابقة الزمن، عوامل مؤثرة في انتهاج سياسة القرارات الارتجالية، مما يؤثر على المسلك الطبيعي للحركة الاجتماعية، بحيث ينعكس على التوازنات الحاكمة في طبيعة العلاقات القائمة، وبالتالي المساهمة في احداث فوضى، غير مطلوبة في التفكير الجمعي، فضلا عن الإسهام في انحسار الاستقرار في التراتبية الحاكمة، بشبكة العلاقات الاجتماعية.

غياب النظرة الواضحة لطبيعة المسيرة الاجتماعية، تحدث حالة من الارباك في التفكير الراهن، والتخبط في الرؤية المستقبلية، خصوصا وان عملية البناء الاجتماعي مترابطة، وليست منفصلة في الغالب عن بعضها البعض، فهي تدعم بعضها البعض، وتسهم في اثراء التجربة على الصعيد الجمعي، من خلال الاستفادة من التجارب السابقة، مما يقود للانطلاق بقوة، نحو رسم ملامح المراحل القادمة ”هلك من ليس له حكيم يرشده“ و”في التجارب علم مستحدث“ و”اعقل الناس من جمع عقول الناس الى عقله“.

بالإضافة لذلك فان انعدام المعرفة بالواقع السائد، وتجاهل الحقائق على الأرض، يقود الى الطريق المسدود، ويعطي نتائج سلبية على الصعيد الاجتماعي، من خلال احداث حالة من الفوضى في التفكير، وتباطؤ في المسيرة الجمعية، نظرا لحالة الضياع وفقدان بوصلة المعرفة، القادرة على اكتشاف معالم الطريق، انطلاقا من الحقائق الحاكمة على الأرض، وبالتالي فان محاولة القراءة الدقيقة البعيدة عن المعرفة المسبقة، تقود الى التخبط في الاختيار السليم، الامر الذي يحدث حالة من التيه، في معركة الحياة على الصعيد الجمعي.

بدورها الضغوط الاجتماعية، تمثل احد العناصر المؤثرة في اتخاذ القرارات الارتجالية، فالبعض يتحرك وفقا لاتجاهات رأي الشارع، مما يضعه في حالة من الانقسام والتجاذبات، بين القرارات السليمة القائمة على القراءة الواعية، والاستسلام للضغوط الاجتماعية لانتهاج مسارات خطيرة، مما يدفعه للرضوخ للضغوط العاطفية لرأي الشارع، بحيث تقود الى نتائج كارثية على المدى القريب، الامر الذي يؤثر بشكل مباشر او غير مباشر، على التفكير الجمعي خلال المراحل اللاحقة، بمعنى اخر، فان التحرك وفقا للضغوط الاجتماعية، ليس سليما في بعض الأحيان، باعتباره ناجما عن قناعات ليست صحيحة، مما يؤثر على الحركة الاجتماعية، ويقضي على المنهجية الصائبة، التي تسهم في مواجهة المراحل القادمة.

اللعب في الوقت الضائع يحدث ضغوطا كبيرا، ويشل التفكير بشكل مؤقت، مما يعني الوقوع صيدا سهلا لعامل الزمن، خصوصا وان المخاوف الكبيرة من البيئة الاجتماعية الضاغطة، يدفع باتجاه اتخاذ القرارات الارتجالية، ومحاولة التخلص من حساسية المرحلة، عبر وضع الجميع في مواجهة مباشرة، مع القرارات المفاجئة، وغير المتوقعة على الاطلاق، الامر الذي يحدث حالة من الفوضى، وعدم القدرة على استيعاب ماهية تلك القرارات العشوائية، لاسيما وان غياب الدراسة المعمقة، والمتأنية قبل اتخاذ القرارات، يولد نتائج خطيرة على الصعيد الاجتماعي، وبالتالي فان عملية اتخاذ القرارات تتطلب التفكير بطريقة هادئة، ومحاولة انتهاج الطريقة المثالية، للخروج من عامل ”الوقت الضائع“، من خلال وضع القرارات على ”نار هادئة“، بهدف انضاج القرارات، لتخرج اكثر انسجاما مع الواقع، واكثر عقلانية في التعاطي، مع التفكير الجمعي الاجتماعي.

العمل على تجاوز هذه العناصر، يساعد في وضع المسار الاجتماعي، على السكة السليمة، مما يقلل من احتمالية اتخاذ القرارات ”الارتجالية“، الامر الذي يجنب البيئة الاجتماعية من الفوضى، والدخول في متاهات مظلمة، نظرا لوجود التفكير المنهجي القادر على القراءة السليمة، والبعيدة عن العواطف، مما يضع الوسط الاجتماعي في مواجهة الواقع بشكل دقيق، بحيث يعود على الجميع بالفائدة الكبيرة، ويدعم الحركة الجمعية باتجاه تعميق التجربة الحياتية، واثراء الفكر الجمعي بالكثير من العناصر الداعمة للمسيرة التنموية، وتجاوز الإخفاقات المعرقلة لمواصلة مشوار العطاء، وتقليل احتمالات التخبط في المعركة الحياتية، التي تقود الجميع لمواجهة تحديات الزمن.

كاتب صحفي