آخر تحديث: 28 / 10 / 2020م - 12:33 ص

العقل يتبع التحليل والمنطق لمواجهة المشكلات

زكريا أبو سرير

عندما ترغب بالتعرف على شخصية معينة أو مجهولة، فإنك تطلب من الآخر التعريف بشخصه الكريم، أو تتجه نحو البحث عن معلومات توصلك إلى مرادك، استنادا إلى المعلومات الصحيحة المتوفرة. كذلك الحال عندما تريد أن تتعرف على شخصية المجتمع المتعقل، الناضج والواعي الذي يمثل التكامل الفكري، فإنك تحتاج لأن تبحث عن مميزاته الفكرية أو روابطه الرئيسية للوقوف على فاعلية هذا المجتمع، وذلك عن طريق امتشاف القوة العقلية والتحليلية والمنطقية الاحترافية، المحركة لأفكاره الإبداعية.

وكلما كان للمجتمع قوة في التفكير والتحليل والمنطق، أصبح لديه بصيرة واضحة في اتخاذ القرارات وحل المشكلات الواقعة فيه أو المختلفة بشأنها. إذن التحليل والمنطق عبارة عن مهارات تحتاج تطوير مستمر، والمقصود بالمهارات والتحليل والمنطق هي القدرة على جمع المعلومات الصحيحة وتصويرها بكل تفاصيلها، كما تتضمن كذلك المقدرة على رؤية مشكلة معينة من عدة زوايا مختلفة، تتيح للناظر مهارات التحليل والمنطق والقدرة على إيجاد الحلول لمختلف المشكلات الحياتية، واتخاذ القرار المناسب بفعالية. ولهذا السبب أضحى التفكير التحليلي والمنطقي من أهم المهارات المطلوبة في سوق العمل بمختلف مجالاته وقطاعاته.

أود من خلال هذا العرض المختصر والمبسط، أن أسقط هذه المهارات العقلية والتفكيرية والتحليلية والمنطقية على واقع الاختلافات الفكرية في وجهات النظر الحاصلة في مجتمعنا.

ربما يتفق معي كل العقلاء بأن التنوع الفكري في المجتمع الواحد، هو معبّر عن ثراء في المعرفة وزيادة في الوعي، وهذا بحد ذاته نعمة كبيرة ينبغي المحافظة عليها، ولكي نحافظ عليها يلزمنا توفير ثلاثة أمور وهي: تثبيت مفهوم التعايش، ومفهوم احترام تبادل وجهات النظر، ومفهوم حرية التعبير.

عندما نسقط هذا الثالوث على أي مشكلة تواجهنا سواء كانت اجتماعية أو دينية أو غيرها، لن نرَ أي صعوبة في فتح الأبواب لمناقشتها، تحت أي عنوان كانت، لأننا بكل بساطة سوف نستحضر ثقافة الحوار الفعال وهي أدوات العقل الواعي والمدرك، المتمثلة في الأوجه التحليلية والمنطقية الكفيلة بإيضاح الإشكالات الغامضة بين وجهات النظر وإيجاد الحلول المناسبة والفاعلة.

وعلى النقيض من ذلك، متى ما غابت الأدوات العقلية عن تحكيم المشكلات والخلافات في وجهات النظر أو أي شبهات تحتاج إيضاحا، فهذا بطبيعة الحال لا يجعلنا نصل إلى نتيجة مناسبة ترضي كل الأطراف المختلفة ولو بالحد الأدنى، بل سوف تعمق الخلاف وتزيده تعقيدا، مما يضعنا في عنق الزجاجة أكثر ولربما يصعب في المستقبل الخروج من هذا المأزق..

إن كل حراك اجتماعي من الطبيعي أن ينتج عنه اختلافات واتفاقات. ولا يمكن أن نجد حراكا تم الاتفاق عليه كليا، وإلا كيف يتطور وينضج المجتمع، إذا لم يكن هناك تضارب في الأفكار، ليستخلص من ذلك التضارب ما يسمى بالتجديد الفكري. والمقصود بالتضارب في الأفكار هو وضعها تحت مجهر البحث والمناظرة الفكرية، من خلال العقل والتحليل والمنطق، لكي ينتج عنه فيما بعد أفكار تجديدية تدفع بعجلة المجتمع إلى الأمام والتقدم، وهذا هو معنى الإعمار المقصود في القرآن الكريم والمطالب به الإنسان، والإنسان مكلف ببناء الفكر قبل إعمار الأرض، وقوله سبحانه وتعالى في سورة هود آية 61: «هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها».

لقد أودع ربنا فينا نعمة العقل، ونوّر طريقنا بنعمة الإسلام ونبي الإسلام محمد ﷺ والتمسك بأهل بيته الطيبين الطاهرين وكتابه المجيد الذي حفظه من أيدي العابثين، فهذا الدين القيم وهذه المدرسة النقية التي شملت كل معارف الحياة ولامست كل جوانبها الزمانية والمكانية، إذا وضعناها أمامنا وامتثلنا لها في كل أمورنا الحياتية والأخروية، فقد وضعنا بذلك أيدينا على الجرح، ليسهل بعدها استحضار الدواء لتضميد تلك الجراح، وانتهجنا بذلك دعوة القرآن الكريم، لخير أمه أخرجت للناس، لأننا سوف نكون من أهل التفكر والتدبر والإنتاج، وهذه هي ميزة التفاضل بين الخلق.

والأسلوب الناجع في الحاضر والمستقبل، لمنع تكرار أي فوضى فكرية أو دينية أو غيرهما، أو أي مشاكل شائكة، هو اتباع منهجية هذا الثالوث الذهبي العقل والتحليل والمنطق. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ