آخر تحديث: 28 / 10 / 2020م - 12:33 ص

تنبؤات درامية أم سينما متواطئة «47»

عبد العظيم شلي

إن رواية ”عيون الظلام - 1981“ أثارت جدلا واسعا خلال الشهور الماضية لوصف ما جاء فيها، ومدى أوجه التطابق بين المتخيل المكاني، وبين المنبت الفعلي في تفشي وباء 2020 الفتاك الذي قضى على بشر في غضون ساعات وبالآلاف ولم يزل يحصد الأرواح تلو الأرواح!.

تدور فكرة الرواية بإيجاز حول الأم تدعى ”كريستينا إيفانز“ التي تتوجه إلى الصين للتتأكد بنفسها عن مصير ابنها ”داني“ هل صحيح بالفعل وافاه الأجل في رحلة تخييم، أم أنه كما تشير رسائل مشبوهة مازال على قيد الحياة، وبالفعل بعد بحث مضن تنجح الأم في تعقب ابنها الذي كان محتجزا داخل منشأة عسكرية بعدما أصيب عن طريق الخطأ ببكتيريا تم تطويرها داخل مركز الأبحاث في مدينة ووهان! ويتصاعد إيقاع الرواية بالانتقال لشخصية مثيرة، إلى عالم صيني منشق عن بلاده اسمه ”لي تشن“ فر هاربا والتجأ للولايات المتحدة، وهو يحمل قرصا مرنا لتخزين البيانات ”Floppy disk“ يحتوي على كل المعلومات عن أهم سلاح بيولوجي حيوي تملكه الصين، ويعد الأخطر خلال القرن الماضي، أطلق عليه اسم ”ووهان - 400“، سلاح طور في مختبرات الحمض النووي بعد إجراء تركيبات معدلة ومخصبة كيماويا، قام به علماء صينيون داخل معامل تقع في مدينة ووهان.

نخرج من عالم الخيال ونرى بأن المدينة التي قصدتها الرواية هي نفسها تماما البؤرة التي بدأ منها انتشار فيروس كورونا المستجد ”كوفيد 19“.

رواية تم الترويج لها مؤخرا على نطاق واسع، والمثير للاهتمام والذي يضع ألف علامة استفهام حول الرواية فقد تم التحقق من طبعاتها الأولى مقارنة بالطبعات اللاحقة، وجد بأن الاسم مختلف تماما، كان اسم الفيروس في الطبعات الأولى ”غوركي 400“، وهو اسم مدينة روسية كانت في الأصل مختبرا للأسلحة البيولوجية!، لكن وبعد أن أفلت شمس الاتحاد السوفيتي وتفككه سنة 1991، تغير الاسم إلى ووهان 400“، المجهز في مختبرات مدينة ووهان الصينية وليست السوفيتية كما كتبه الكاتب في الأساس. أسئلة تتداعى، لماذا وقع تغيير الاسم وكذا اسم العالم المنشق؟ يقال: لتظهر الصين بمظهر الشرير في نظر العالم بدلا من الخطر السوفيتي السابق، وسؤال آخر من الذي تلاعب في تغيير اسم المكان، الناشر، المؤلف، أم أيد استخباراتية خفية!؟ وكيف لرواية أن تتوقع وباء سيكون كارثيا على الجنس البشري ويتقاطع توصيفا مع فيروس كورونا وذلك قبل 40 عاما، ما هذا الترصد والتعقب المغال لدول بعينها دون غيرها، هل هي نبوءة كاتب، أم نص رواية موجه نحو عدو محدد، أم المسالة حرب أيديولوجية تحول مسارها من وجهة سوفيتية إلى صينية.

من الذي اقتحم سور الصين العظيم في هذا الزمان بفيروس طروادة؟.

بالأمس سعوا للقضاء على إمبراطورية الشر «الاتحاد السوفيتي» حسب توصيف الغرب واليوم يجب القضاء على التنين الأصفر! وتدور التساؤلات وتتراشق الاتهامات.. وتتناثر التحليلات..

والسؤال الحائر ما هو مصدر منشأ الفيروس هل جاء صدفة بالفعل من أسواق اللحوم الغريبة وفي مدينة ووهان تحديدا، أم نتيجة خطأ في معمل بيولوجي مثل ما أشيع، أم أن الفيروس أطلق بشكل خفي لينتشر إبان وقت استعدادات ملايين الصينيين لقضاء عطلة رأس السنة القمرية الصينية الجديدة! إنه لأمر محير أن يأتي الفيروس مرتين ولعامين متتاليين، فقد جاء الوباء خلال العام الماضي 2019 بعد أن أعلن عن فيروس يسمى كورونا في ذات المدينة الصينية ووهان لكن اكتشف سريعا وتم السيطرة والتغلب عليه ولم يأخذ مساره انتشارا كما هو حاصل هذا العام، لو حدث العام الماضي لأفسد احتفالات الحكومة الصينية بمناسبة مرور 70 عاما على نهضة الصين الحديثة «1949-2019»، حيث أقامت الصين كرنفالات ابتهاجا بعيدها 70، تمجيدا لذكرى ثورتها الكبرى التي قادها ”ماو تسي تونغ“ والذي أعلن عام 49 عن تأسيس جمهورية الصين الشيوعية الشعبية.

أصحيح الصين اليوم هي المستهدفة؟ ومستهدفة من قبل من؟ من نفسها وهي لا تدري أم من بعض شعوب قومياتها الساعين للانفصال عنها ”التبت، اليغور، التايوان وغيرهم“، أم من جيرانها الذين يكنون العداء التاريخي لها، أم من الذي لا يريد أن يراها تنافسه في كل شيء، بعد أن أصبحت ندا له، تنازعه على تسيد العالم تكنولوجيا وعلميا واقتصاديا وعسكريا، أيترك المارد الصيني يتوغل في كل القارات والمحيطات ويغزو كل الأسواق وفي عقر دار العم سام؟

إذا لابد من الإطاحة به بشتى السبل، أيها الفيروس القاتل اخرج من مكمنك ودمر الأعداء وما الضير لو أصيب الصديق والحليف وحتى الأقربون من أبناء الوطن الواحد، فالشبهة سوف تبتعد عمن هو الفاعل، إذا لتزداد الجرعة جرعات ليكون المفعول هذه المرة أقوى من ذي قبل، وهكذا أتى الوباء هذا العام 2020 مزلزلا، مدمرا قاتلا، مميتا، ظن من أوجده بأن انتشار خطره سوف يكون ضمن نطاق مساحة جغرافية محددة ولن يتجاوزها، لكن الوباء انتشر كما النار في الهشيم، فلت الزمام وعم العالم كله حتى وصل إلى باب دار الفعلة الفاعلة، سحب البساط من تحت أرجلهم المرتعبة، جسد يكيل التهم كل يوم ليبرئ ما سببته يداه الخربة.

لم تزل استراتيجية ميكافيلي حاضرة في كل زمان ومكان.

يقول: ”أيان بريمر“ كبير الإستراتيجيين في مجموعة أوراسيا وهي شركة رائدة في مجال المخاطر السياسية: «بقدر استعداد الأمريكيين لحرب باردة في مواجهة الصين للتكنولوجيا، يبدو أن الأمر في الوقت الراهن يشبه حربا باردة ثنائية بدلا من حرب عالمية».

بالأمس كانت الحرب الباردة في القرن المنصرم موجهة بضراوة نحو الاتحاد السوفيتي وفي النهاية اطيح به بعد مرور 70 عاما على قيامه، والآن حرب باردة اخرى مستعرة بإتجاه الصين الشعبية، حان الوقت بعد مرور 70 على تأسيسها في القضاء عليها بشتى السبل!.

أمن المعقول يحجر على المارد الصيني عن بقية العالم ووضعه في القمقم ليعود كما كان قبل عام 1949؟! أم بات حدس المتربصين مخيبا للآمال؟

من يشاهد فلم ”العدوى -Contagion“ الذي أنتج عام 2011، والذي رسم واقع الحال، فقد أبرز عن وباء خطر سينتشر ويقضي على ملايين من سكان العالم، والمسبب الوحيد الخفافيش في سوق الحيوانات في الصين! ولماذا الصين، علما بأن جنوب دول آسيا يوجد بها مثل هذه الأسواق الخاصة بأكل الحيوانات البرية الغريبة.

أي تنبؤ أرشدنا به كاتب أمريكي لروايته ”عيون الظلام“ الذي كتبها منذ 40، وأية أفلام أرسلتها ماكينة الإنتاج المبرمجة باستهدافات مقصودة باسم الفن وحماية الإنسانية من اخطار المارقين.

متى تكف سينما هوليوود عن خلق الأوهام الدرامية والخدع البصرية، أم أنها ستواصل تواطئها مع دهاقنة الساسة والعسكر.