آخر تحديث: 26 / 11 / 2020م - 9:36 م

الحديث الصامت

الدكتور أحمد محمد اللويمي * صحيفة اليوم

نعمة العقل تتجلى في أعظم مظاهرها فيما أنتجه الانسان من أدوات لها الأثر البالغ في قلب حياته البدائية الى ما هي عليه اليوم من النعم التي لا تقدر بثمن، إلا ان نعمة العقل تتبدد عندما يصبح العقل أسير ما أنتج وعبد ما صنع من أدوات التقنية الحديثة. عندما تجعل الاجهزة الالكترونية الذكية ذكاءنا البشري الخلاب يحال الى غباء لا يوصف، عند ذلك تصبح الاجابة عن السؤال: لمن الغلبة للعقل أم الآلة؟ واضحة للعيان. لقد زحفت آلات التواصل الاجتماعي الالكتروني كالنمل الأبيض لتنخر بصمت تواصلنا الاجتماعي الطبيعي الحيوي وعندما يظهر أثر ذلك يكون قذ فات الأوان.

إن الحديث الصامت الذي يدور بيننا عبر الآلات الذكية لا شك في ان نهايته أسرة ومجتمع صامت يتحدث باصابعه لا بما أنعم الله به عليه من حديث القلوب. «يقول الدكتور جراي سمول من جامعة كاليفورنيا بلوس انجلس: إن التعرض اليومي للتكنولوجيا الرقمية مثل الهواتف المحمولة والإنترنت قد يغير الطريقة التي تعمل بها عقولنا، وبرر سمول هذا بأننا عندما نقضي وقتاً طويلاً في التعامل مع الوسائل التكنولوجية، وعلى الجانب الآخر نقضي وقتاً أقل في التعامل مع الأشخاص الحقيقيين، فإنه يجعلنا نفقد تدريجيا المهارات الأساسية في التعامل الاجتماعي مع الناس. كما نفقد القدرة على قراءة وفهم التعبيرات على وجوه الناس التي تظهر أثناء المحادثة معهم، ويضيف د.

إن حديث الصمت لا يصنع مجتمعا صامتا في شبكة علاقاته الانسانية فحسب، بل مآله مجتمع بارد عبوس معقد منغلق فاقد مشاعر المودة والرحمة والتواصل وعندئذ لا تعادل الف رسالة نصية (جمعة مباركة) أو (عيدك مبارك) لذة لحظة حديث مباشر حار بين الأهل والأصدقاء.سمول في ذات السياق قائلا: إن الوصلات العصبية في المخ المسئولة عن التعامل مع العلاقات التي تتم وجهاً لوجه تصبح أضعف ويؤدى هذا إلى أن يصبح الشخص أقل لباقة في التعاملات الاجتماعية وأقل قدرة على التعامل مع الناس ويؤدي هذا به إلى العزلة الاجتماعية. «لعل من أهم الاسئلة الحيوية التي باتت شديدة الالحاح حول هذا الحديث الصامت في انتشاره وهيمنته هو بماذا يتمتع حديث الانامل من جذب وتشويق على حديث الوجه بالوجه والقلب بالقلب؟ لماذا يهجر الناس بعضهم وهم يتشاطرون المكان ليهاجروا بوعيهم للتواصل مع البعيد أو ربما الغريب؟ ماذا يحمل هذا الجهاز من السحر حتى يهيمن على ادراكه؟ ما ان تدخل مكانا اجتمع فيه الاصدقاء حتى تجدهم كأصحاب الكهف كل قد انجذب لجهازه وغلب على وعيه.

ما الذي يجذبهم في حديث الصمت هذا حتى هجروا حديث الكلام؟ لعل الاجابة عن هذه الاسئلة مادة دسمة لدراسات نفسية علمية واسعة. إن بداية الاجابة قد تكمن في ان عصر هيمنة الآلة وسطوتها أصبح لا مهرب منه وان ضرورة الحياة العصرية تقتضي الاستسلام التدريجي للآلة مقابل بعض المصالح والمنافع التي يجنيها الانسان منها.

ترى هل ما تنبأ به الفيلم الامريكي الشهير «المبيد» ««Terminator عندما تبيد الآلة الحضارة البشرية او عندما تنبأ الممثل المبدع شارلي شابلن في فيلمه الشهير في مطلع القرن العشرين بسطوة الآلة وغلبتها على الانسان. إن المعركة الراهنة مازالت طاحنة، لكن ملامح الغلبة واضحة للعيان، إلا اذا حضر الوعي بتحرر العقل من هيمنة الآلة ورجع الانسان يستعذب حديث القلوب على برود حديث الآلة.

إن حديث الصمت لا يصنع مجتمعا صامتا في شبكة علاقاته الانسانية فحسب، بل مآله مجتمع بارد عبوس معقد منغلق فاقد مشاعر المودة والرحمة والتواصل وعندئذ لا تعادل الف رسالة نصية «جمعة مباركة» أو «عيدك مبارك» لذة لحظة حديث مباشر حار بين الأهل والأصدقاء.