آخر تحديث: 20 / 10 / 2020م - 4:43 م

اللغة علم وصناعة

الدكتور أحمد فتح الله *

مقدمة

ذكرت في المقال السابق ««لُغّوِيَّات الطوارئ» علم جديد من رحم كورونا، المنشور هنا في جهينة في تاريخ 17-8-2020م»، أن يولد علمٌ لغويّ «أكاديمي تخصصي» غير متوقع، خاصة أن الفروع العلمية تأخذ زمنًا حتى تتبلور وتُقْبَل في المؤسسات الأكاديميَّة، قبل أن يتم تبنيها واعتمادها. وقلت أن الصين كدولة كبرى تحركت وكلفت فريق عمل من علماء لغة لإحتواء أزمة وباء كورونا وتبعاتها من الجانب اللغوي، ومن مهامه تطوير وتسهيل اللغة الصينية للتواصل من أجل التوعية والتحكم في تداعيات الأزمة، وفي ذات الوقت نشر اللغة الصينية خارج حدودها، ربما كان استشرافًا لوضع الصين ولغتها في المستقبل المنظور، أو العمل على تحقيقه. ووعدت أنه في المقال القادم، سنعرف هل كان استشرافًا أو تخطيطًا علميًّا بقيادة أكاديمية متخصصة تحمل تنظيرًا بأليات ومفاهيم، أعطيت كامل أنواع الدعم والصلاحايات أشار لها المقال في طياته. وأفضل من يفيدنا في هذا الأمر هو  الانتاج العلمي لقائد الفريق الأكاديمي، البرفيسور لي يومينغ «Li Yuming» نفسه.

في عام عام 2015 نشر العالم اللّغوي لي يومينغ «Li Yuming» كتابًا من 30 فصل، بعنوان ”التخطيط اللّغوي في الصين“ «Language Planning in China»، برلين وبكين: موتون دي جروتر والصحافة التجارية. الدكتور يومينغ عضو في مجموعة المسؤولين الصينيين الذين تمت ترقيتهم خلال الثمانينيات وأوائل التسعينيات عندما اتبعت جمهورية الصين الشعبية في جهود التحديث الأربعة السابقة للصين المبدأ القائل بأن الخبراء في هذا المجال يشرفون على هذا المجال.

تمت كتابة هذه المقالات بواسطة الدكتور يومينغ  بعد عام 2001 عندما بدأت الصين في تنفيذ ”قانون اللغة العامة والنصوص المشتركة لولاية جمهورية الصين الشعبية“، وهو قانون تم التأكيد عليه من خلال أيديولوجية التعددية اللغوية التكميلية والمصممة لتطوير نظام لغوي للتعددية اللغوية المنظمة. تدعم هذه الأيديولوجية القومية لغة بوتونغهوا «Putonghua»، أي الماندرين «Mandarin»، كلغة وطنية وعالمية بينما تعامل لغات الأقليات على أنها انتقالات تكميلية لبوتونغهوا.

يحدد ترتيب اللغة المتصور على هذا النحو معظم الموارد، مثل مجالات استخدام اللغة، والأموال، والمكانة القانونية، ووسيلة التعليم، وما إلى ذلك إلى Putonghua كلغة مشتركة للولاية، في حين تخصيص موارد كافية أو بالكاد كافية للغات الأقليات للبقاء كلغات انتقالية.

فصول الكتاب يمكن قراءتها منظورات خمسة، حسب المبنى الفكري للدكتور يومينع:

  • اللغة كمشكلة
  • اللغة كمصدر
  • اللغة كحق

يوضح الفصل الأول من المجموعة أسس وجهات نظر الدكتور يومينغ الأساسية حول التخطيط اللغوي، والاعتراف باللغة كمشكلة ومورد وحق، الدكتور يومينغ من بين المسؤولين الصينيين القلائل الذين يعترفون بشكل كامل بحقوق المواطنين في لغتهم الأم؛ ويتعامل مع الحقوق اللغوية كحقوق إنسان.

في الفصل الثاني، يميز أيضًا بين اللغة واللهجة، وهو تمييز يعكس جهوده في حل اللغز بين المستويين اللغويين في السياق الصيني، حيث يوجد صراع طويل الأمد بين أحادية اللغة وتعدد اللغات. هذا التمييز له معنى كبير، فيما يتعلق بالحقوق اللغوية، عندما ينشأ الصراع، على سبيل المثال، بين بوتونغهوا والكانتونية أو بين بوتونغهوا وشانغهاي، حيث تعتبر الأولى هي اللغة الأم بينما الثانية هي اللغة الأم.

يعطي الدكتور يومينغ تغطية شاملة لقضية اللغة كمصدر؛ فهو يعتبر اللغات قوة صلبة «الفصل 5» واللغات كقدرات، حيث يشرح بالتفصيل كيف أن اللغة مورد للدولة؛ كجزء من القدرات الوطنية وللمواطنين، ككفاءات مجتمعة أو كفاءة فردية «الفصل 4». تشمل قدرات اللغة الوطنية، حسب تنظير الدكتور يومينغ، اللغات الصينية والأجنبية التي يمكن أن تمكِّن الصين من الصعود كقوة عالمية وتمكين القدرة التنافسية للمواطنين الصينيين في العولمة «الفصل 9». علاوة على ذلك، يرى أنها «قدرات اللغة الوطنية» تشتمل على لهجات صينية مختلفة ولغات الأقليات منذ تطوير القدرات ثنائية اللغة وثنائية اللهجات من المفترض أن تعزز الهوية الوطنية للصين ووحدتها «الفصل 12».

بعد عرضه لمفهوم ”اللغة مورد“، يولي الدكتور يومينغ اهتمامًا خاصًا لنوعين من قدرات اللغة الوطنية في الصين: الصينية كلغة عالمية ووجود اللغة الصينية في الفضاء الإلكتروني.

أولًا: الصينية كلغة عالمية

يرى الدكتور يومينغ أنه مع صعود الصين اقتصاديًا، هناك سوق للصينية كلغة ثانية، وينبغي للصين أن تنتهز هذه الفرصة لتوسيع انتشارها الدولي «الفصل 23». لهذا السبب، يجب أن تَدْرس الصين أولاً كيفية انتشار الصين خارج حدودها في الماضي «الفصل 24» ويجب أن تحسن تعليم اللغة الصينية كلغة أجنبية «الفصل 25».

ثانيًا: وجود اللغة الصينية في الفضاء الإلكتروني

يعتقد الدكتور يومينغ بقوة أن الفضاء الإلكتروني هو الحدود الجديدة لوضع اللغات والحفاظ عليها وبقائها، وأن الصين يجب أن تتبنى سياسة لغوية واضحة لها «الفصل 18»، مع إصراره على رفع مستوى المهام التقليدية في التخطيط اللغوي وفتح مهام جديدة «الفصل 19».

على وجه التحديد، يركز على تعديل توحيد اللغة للفضاء السيبراني «الفصلان 20 و21»، وكذلك على إنشاء قواعد بيانات للمعاجم «الفصل 16» ومعالجة لغة الآلة «الفصلان 13 و22».

بصفته مخطط لغوي للدولة، يقوم الدكتور يومينغ مواجهة اللغة باعتبارها ”مشكلة“، والتي تتضمن إيجاد حلول، كالتحديث والتوحيد. كما يتتبع جهود الصين في القرن التاسع عشر لتحديث اللغة الصينية على مستو النطق؛ محاولات استبدال الأحرف الصينية بهجاء أبجدي، «الفصل 26» ويربط هذ التحرك ب ”تحديث التعليم الصيني“، وحتى الصين نفسها «الفصل 27».

كحلول لحالة التعدد اللغوي في الصين، يناقش الدكتور يومينغ:

  • دور اللهجة المختارة في تخطيط الحالة «الفصلان 10 و11»،
  • ومقاربات المعجم القياسي الموحد «الفصلان 14 و15»،
  • ومقاربات الصين التاريخية لتوحيد اللغة «الفصول 28 و29 و30».

بصفته مخططًا للغة، يبدأ الدكتور يومينغ بتخطيط الحالة التقليدية وتخطيط المجموعة ويطورها إلى التخطيط الوظيفي والتخطيط الميداني، عارضًا ثماني فئات من المجالات الوظيفية للتخطيط «الفصل 3»:

  • اللغة الوطنية،
  • واللغة الرسمية،
  • والتعليم،
  • ووسائل الإعلام،
  • والخدمة العامة،
  • والاتصال العام،
  • والثقافة،
  • والتواصل اليومي/الأسري

المجالات الستة الأخيرة هي مجالات راسخة لاستخدام اللغة حيث يمكن إدارة وظائف اللغة. اللغة الرسمية ليست مجالًا ولكن يمكن توسيعها لتشمل استخدام اللغة الحكومية التي يمكن التخطيط لها أيضًا، ومع ذلك، فإن المجال الوظيفي للغة الوطنية أقل وضوحًا ويحتاج إلى توضيح بمزيد من التفصيل. علاوة على ذلك، يعتبر الدكتور يومينغ أن المستوى الأدنى التالي من التخطيط اللغوي هو التخطيط الميداني، والذي يغطي التخطيط اللغوي لكل مناحي الحياة، مثل الصناعات المختلفة وأنواع مختلفة من التجارة وأنواع مختلفة من المهن «الفصل 7». ويشمل توحيد كل من اللغة المنطوقة والمكتوبة في المجال وتدريب الموظفين على استخدام اللغة القياسية للميدان أثناء العمل.

أكبر مساهمة للدكتور يومينغ، في مجال التخطيط اللغوي، هي مفهومه عن الحياة اللغوية «yuyan shenghuo»، وهو مفهوم لا يزال قيد التطوير، حيث ظهرت كتاباته الجديدة حول هذا الموضوع في أواخر عام 2016. يحدد الدكتور يومينغ ثلاثة مستويات رئيسية من الحياة اللغوية «الفصل 6»:

  • المستوى الكلي: الذي يشمل المستوى الكلي الحياة اللغوية الوطنية والحياة اللغوية فوق الوطنية
  • والمستوى المتوسط والمستوى الجزئي.
  • المستوى المتوسط: الذي يغطي المجال والحياة اللغوية الإقليمية،
  • المستوى الجزئي: الذي يشمل كلاً من الحياة اللغوية الفردية والعائلية؛ عند الفرد وعند العائلة.

بتوجيه من هذا الإطار المفاهيمي، اقترح الدكتور يومينغ تخطيط اللغة الميدانية ورعى نشر تقرير سنوي عن حالة اللغات واللهجات بالإضافة إلى استخدامها، والذي يحمل عنوان ”الورقة الخضراء حول وضع اللغة في الصين باللغة الإنجليزية“. يعتبر هذا التقرير السنوي مقياسًا للتخطيط اللغوي في الصين، ومرجعًا لاتخاذ القرارات الحكومية وخدمة للأطراف المعنية «الفصل 17». يعتقد الدكتور يومينغ أن هذا الإطار المفاهيمي يوفر فهمًا أفضل للوضع اللغوي الحالي في الصين ويساعد الحكومة على إدارة وضع اللغة هذا بشكل أفضل «الفصل 8».

هذا الكتاب بمجموعته الرائعة من المقالات عن التخطيط اللغوي في الصين المعاصرة، ليس فقط يوفر رؤى عميقة في أيديولوجية اللغة والنظام والسياسة والإدارة في هذه الدولة الصاعدة، بل يساعد على فهم ما يجري ”لغويًا“ فيها بمنظور مختلف في التخطيط اللغوي والسياسة اللغوية «Language Planning and Language Policy»، بمفاهيم غير وآليات غير تقليدية، لتحقيق طموح دولة ومجتمع يعمل صامتًا وبعزم وإخلاص.

بعد هذا العرض، يتضح أن علمًا لغويًّا جديدًا «لغويات الطوارئ» لم يكن وليد جائحة كورونا، ربما سرَّعَت به، ولم يكن استشرافًا لوضع الصين ولغتها في المستقبل المنظور، أو العمل على تحقيقه. بل كان نتيجة توجه رسمي للدولة الصينية وتخطيط علمي بقيادة أكاديمية متخصصة، تحمل تنظيرًا بأليات منهجية ورؤىً ثاقبة، أُعْطِيَتْ كامل أنواع الدعم والصلاحيات.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
محمد العيسى
[ المملكة العربية السعودية ]: 22 / 9 / 2020م - 7:03 م
مقال جميل ومفيد جداً أستاذي الغالي وياليتنا نتعلم من مثل هذا التخطيط الواعي..

لا تملك إلا أن تحترم أولئك الذين يملكون الرؤى الثاقبة ويولون التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى اهتمامهم، وصدق من قال:

"الفشل في التخطيط تخطيطٌ للفشل"...

ولك بالغ أشواقي وشكري وتحياتي.. 🌹
2
أحمد فتح الله
23 / 9 / 2020م - 2:38 م
أستاذ محمد
شكرًا لك لتعليقك الجميل المثري
التجربة الصينية ملفتة وتذكرنا بالتجربة اليابانية مع الاختلاف في بعض التفاصيل، خاصة في الجانب اللغوي.
التخطيط عملية عمادها وضوح الرؤية مع المطلوب تحقيقه، الكفاءة والثقة والصبر (النفس الطويل)، وكلها توفرت في التجربة الصينية.
نحن العرب، حكومات وشعوب، نتألم لحال لغتنا والمشكلة ليست فيها، فينا. لن يتغير حالها إلا بتغير حالنا: ننتج ونسمي؛ ننتج فكرًا، علمًا ومخترعات و...و......و ، والأسماء تجر الأفعال وتجر تراكيب، تنتعش اللغة وتقف منتصبة تنافس في كل ميدان.
هَمُّنا موقع الكلمات وغيرها من الإعراب في العربية، ولم نهتم بموقع العربية من الإعراب في منظومة اللغات العالمية. دعك من يوم العربية العالمي الآن. فالآن السؤال يجب أن يكون: ما موقعنا نحن (ليست لغتنا) من الإعراب في الحضارة المعاصرة؟

وكلي امتنان لمرورك البهي
وكل عام ونحن والوطن بخير وسلام.
تاروت - القطيف