آخر تحديث: 23 / 11 / 2020م - 10:52 م

الغش في الصف الإلكتروني

علي جعفر الشريمي * صحيفة الوطن

التعليم عن بعد مع كل إيجابيته وتميزه إلا أنه كشف لنا أزمة أخلاقية، للأسف الشديد، أولادنا وبناتنا هم أول ضحاياها. إنه الغش، حيث يجلس الطالب في منزله ويفتح جهازه ويسجل الدخول في المنصة التعليمية الرقمية ومن ثم يذهب لصفه الإلكتروني ويضع ميكروفونه على الصامت تجنبا لحضور الدرس ربما ينام وربما يتنقل في منزله من مكان لآخر. هذا لا يحدث فقط في التعليم العام بل حتى على المستوى الجامعي إذ أن الاعتماد المبالغ فيه على المواقع الإلكترونية التي تقوم بحل الواجبات وعمل البحوث والمشاريع حالة كارثية كونها تعتمد على الغش والتزوير.

نعم إنها كارثة إنسانية وأخلاقية، بالطبع ليست المشكلة في التعليم الإلكتروني لكنها تجلت على السطح في هذه التجربة، وإلا ماذا يعني أن يتحايل الطالب والطالبة على خدمة حقوقية وفرتها الدولة للجميع بشكل مجاني؟ لماذا هذا اللف والدوران في تلقي الخدمة التي تعد العماد الأصيل والأساس للمجتمعات البشرية؟ هذه الحالة ليست جديدة، ولم تظهر فجأة حتى نستغرب منها، فهي لا ترتبط لا بالمدرسة الحضورية ولا الافتراضية هي في واقعها وحقيقتها مرض عميق الجذور في التربة المجتمعية، المسألة ترتبط في بعدها العميق في تأصيل مشكلة الغش الذي ينشأ عنه الفرد من الصغر وحتى الكبر، بدليل ظهورها بأشكال بانورامية متنوعة في أكثر من مجال، من قبيل الغش في الامتحانات في المقاعد الدراسية، والشهادات المزورة وخاصة الشهادات العليا التي تصدرها بعض الجامعات غير المعترف بها أو حتى التي لا وجود لها، ثم تعالوا معي لمشهد آخر من سيناريو الغش في الحلول، حيث قرأت قبل أيام نسبة صادمة أن 90 % من الأطباء في المستشفيات الخاصة يسعون للكسب المادي أكثر من مصلحة المريض، وكذلك الواسطات التي تربعت على عرش الصدارة في الاستبيانات التي أعدتها «نزاهة» في السنوات الأخيرة الماضية، والأمر الكارثي أن مجتمعاتنا المتدينة تتحدث عن الحلال والحرام في كل شيء إلا في الغش «الواسطة»، حتى إذا سألت أحدهم: ألا تخشى الله الذي به تؤمن؟ ستجده يقول لك بكل برود: وما علاقة ذلك؟ تجده يتفلسف في كل الأمور الدينية، وأما وساطتك في أن تأخذ حق غيرك أو تمنعه ما يستحقه، ووقفتك البدائية والجاهلة مع من هم من بني عشيرتك، ولو كان على حساب آخرين أحق منه بالوظيفة؛ فهذه لا يقيم لها وزنا، ولا ينظر إليها.

مع كل ذلك أعتقد أن حلول المشكلة ليست كلها رقابية بحيث نتزمت في طرح الحلول المؤقتة، بل هي مشكلة أخلاقية تتطلب علاجاً جذرياً طويل المدى، مشكلة تحتاج مواجهة حقيقية مع المجتمع وفهمها عميقا لآلية عمله والتي أوصلته لهذه المنطقة، منطقة الكسب السريع على حساب الأخلاق والقيم الإنسانية.

في نظري أن غياب المنظومة الأخلاقية والحقوقية في مقررات التعليم هي التي ساهمت في خلق مثل هذه الأخلاقيات السيئة فهذه المنظومة يجب أن تغرس في وعي الطفل منذ لحظة دخولة الروضة بل منذ أن يبدأ النطق في الكلام، ويتعامل مع الناس.

أخيرا أقول: إذا كان القول المشهور بين المتعلمين «العلم في الصغر كالنقش على الحجر» فيجب استبداله ب «الأخلاق في الصغر كالنقش على الحجر».