آخر تحديث: 23 / 11 / 2020م - 10:52 م

الصراعات الإقليمية والموازين الدولية

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

إن حقائق القوة الدولية الجديدة، سوف تفرض في نهاية المطاف لغتها، وتجبر الغرماء على العودة إلى طاولة المفاوضات

لم يعد موضع جدل، أن العالم في السنوات الأخيرة، يمر بمرحلة انتقال في موازين القوة الاقتصادية والعسكرية والسياسية الدولية. الصراعات والحروب الاقليمية، والمحلية التي تأخذ مكانها في عدد كبير من البلدان، في هذه المرحلة، ووقوف واحدة أو أكثر من القوى الكبرى خلفها، هو ما يعكس حدة الصراع، بين هذه القوى، على طريق صياغة ملامح النظام الدولي الجديد.

ولا شك في أن نتائج هذه الحروب، ستساعد إلى حد كبير في تحديد الرابحين والخاسرين، ومن سيكون المتصدر على عرش الهيمنة في العالم. بمعنى آخر، إن انبثاق نظام دولي جديد، سيفرزه صراع الإرادات، والحقائق الجديدة لتوازنات القوة.

وباطلالة سريعة، على مناطق التوتر في العالم والأزمات الاقليمية، سيتأكد لنا انخراط القوى الكبرى، بشكل مباشر أو غير مباشر في هذه الأزمات، بعد أن كان ذلك احتكاراً للولايات المتحدة الأمريكية، بعد سقوط الحرب الباردة. فالروس والفرنسيون يتدخلون في العلن، في الصراع الدائر في سواحل البحر الأبيض المتوسط، الذي برز مؤخراً، بين اليونان وتركيا، وأيضاً في الأزمة المحتدمة في ليبيا.

في المقابل، نلحظ تراجعاً للدور الأمريكي، في مناطق عدة، وتمسكاً قوياً بمناطق أخرى، بناء على اعتبارات المصالح الحيوية. فهناك تقلص للنفوذ الأمريكي، لصالح روسيا في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة. لقد عاد الدب القطبي بقوة، بزعامة فلاديمير بوتين، معتبراً تلك الجمهوريات ركناً أساسياً في مصالح روسيا الحيوية. وذلك ما حدث، في الأزمة الأوكرانية، التي نتج عنها انسلاخ منطقة القرم عن أوكرانيا وعودتها لروسيا الاتحادية. وأيضاً ما يحدث الآن من أزمات في بيلاروسيا وأرمينيا وأذربيجان، وحرص روسيا الواضح على أن تكون اللاعب الأساسي، في هذه الأزمات.

ذلك لا يعني، أن الولايات المتحدة تخلت عن هذه البلدان، بمحض إرادتها، فالأمر على نقيض ذلك، فأصابع التدخل الأمريكي في بيلاروسيا، لا تخطئها العين، فهي ماثلة في انهيار الروبل، وارتفاع الطلب على الدولار. والأزمة الاقتصادية في بيلاروسيا، تشبه إلى حد كبير، ما تمر به فنزويلا وإيران ولبنان، حيث تعمل إدارة الرئيس ترامب، دون كلل على الإطاحة بنظام الرئيس نيكولاس مادورو، وتعمل على إضعاف دور حزب الله في الساحة اللبنانية. لكن الأمور في النهاية محكومة بحقائق القوة، وليس بالرغبات. والأمور رغم حدة التدخل الأمريكي، في هذه البلدان لم تحسم بعد.

في هذا السياق، نلاحظ تراجعاً أمريكياً عن مناطق عدة، لصالح روسيا، بالاتفاق أو القسر. فعلى سبيل المثال، أوضح المرشحان للرئاسة الأمريكية، دونالد ترامب وجو بايدن، رغم البون الشاسع في برامجهما الانتخابية، عزمهما على الانسحاب من العراق، ومن الأزمة السورية.

بل إن هناك ما هو أقرب إلى الاتفاق المعلن، بين ترامب وبوتين، على نقل الملف السوري، لروسيا الاتحادية. وبموجب هذا الاتفاق، تتحرك روسيا، في كل الاتجاهات، للتوفيق بين مختلف المعارضات والقيادة السورية. وهذا الاتفاق في حقيقته، يعني خذلاناً من قبل الرئيس ترامب، لحلفاء أمريكا، وانهياراً محققاً لجبهة المعارضة للحكومة السورية، وبشكل خاص المعارضة الكردية المعروفة ب «قصد».

الصراعات المحتدمة حالياً، لا يحكمها منطق الأيديولوجيات، بل الصراع على النفوذ والثروات، والمواد الخام. ولذلك فإن حسمها، لا يتم من خلال التعاون والتنسيق بين الدول، والمواثيق التي تؤكد ضمان السلم، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول المستقلة، بل بصراع الإرادات والاختلال في موازين القوة.

إن حقائق القوة الدولية الجديدة، سوف تفرض في نهاية المطاف لغتها، وتجبر الغرماء على العودة إلى طاولة المفاوضات، وتشكيل خريطة العالم، على ضوء حقائق هذه القوة. وذلك ما أثبتته نتائج الحربين الكونيتين، في القرن العشرين، كما في معاهدة فرساي بعد الحرب العالمية الأولى، ومؤتمر يالطا بعد الحرب العالمية الثانية. وقد أقرتا وجود مناطق نفوذ، يعتبر التعدي عليها تجاوزاً للخطوط الحمراء.

بقيت مناطق أخرى، فيما بعد الحرب العالمية الثانية، خارج الاتفاق، استمر الصراع عليها بين القطبين المتنافسين. فالبلدان التابعة للاستعمار الغربي التقليدي، والتي شهدت محاولات حثيثة للاستقلال، بقيت خارج القسمة. وأصبح التنافس عليها حاداً وشرساً.

إن الصعود الكبير للاقتصاد الصيني، والتعافي السريع لروسيا، ونمو القدرات العلمية الهندية، والأزمة الاقتصادية التي يمر بها العالم، بسبب وباء كورونا، تشي بقرب نهاية النظام الدولي، الذي ساد خلال العشرين سنة الماضية، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. وعلى أنقاضه سنشهد انبثاق نظام دولي جديد.