آخر تحديث: 27 / 11 / 2020م - 1:55 م

المبادرات الاجتماعية

محمد أحمد التاروتي *

تعكس المبادرات الاجتماعية جانبا من الثقافة السائدة، كما تكشف عن حالة التفاعل الكبير مع احتياجات الوسط الاجتماعي، بحيث تبرز على شكل مجموعة افكار ذات طبيعة انسانية بالدرجة الاولى، خصوصا وان المبادرات تنطلق في الغالب من قاعدة ”الحاجة ام الاختراع“، مما يدفع البعض للبحث عن المخارج ووضع الاليات لتجاوز بعض المصاعب، وخلق الاجواء المناسبة لتوفير اسباب الارتقاء بالبيئة الاجتماعية، وبالتالي فان العملية لا ترتبط بالبحث عن تحسين الظروف المعيشية للفئات المحتاجة، ولكنها مرتبطة في احيان كبيرة بمحاولة تطوير المستوى المعيشي، والعمل على خلق الظروف المناسبة لمواكبة التطور المناسب، فضلا عن اطلاق الأفكار ذات الأثر في الارتقاء بالمجتمع.

اطلاق المبادرات عملية اساسية لاعطاء رسالة واضحة، بوجود حيوية ونشاط كبير لدى شريحة واسعة، بخصوص التعاطي مع التحولات الاجتماعية المتسارعة، خصوصا وان ايقاعات العصر تفرض التعاطي بوتيرة متسارعة، للتناغم مع المراحل الزمنية بطريقة مناسبة، مما يستدعي البحث المستمر عن الاليات المثالية، للخروج بالافكار القادرة على قراءة الواقعة بشكل ملائم، لاسيما وان التفكير خارج الصندوق يعطي البيئة الاجتماعية، مساحة واسعة لايجاد الحلول المناسبة، فيما الاصرار التغريد خارج السرب يترك تداعيات سلبية على الوسط الاجتماعي، باعتباره احد العناصر الاساسية للتخلف عن الركب، وعدم القدرة على اللحاق بالمسيرة المتسارعة.

تنوع المبادرات الاجتماعية يكشف عن وجود انماط عديدة من التفكير، بالاضافة للكشف عن تحركات حقيقية لدى بعض الفئات، لتقديم الخدمات في المجتمع، مما يعزز ثقافة العمل الخيري، ويكرس مبادئ التعاون بمختلف اشكاله، لاسيما وان المبادرات الاجتماعية تهدف لتوجيه الرأي العام باتجاه ممارسات محددة، فتارة تكون ذات اطار جمعي، بغرض توظيفه بطريقة خاصة لاحداث تحولات مرحلية، او جذرية في التفكير الاجتماعي، وتارة أخرى تكون المبادرات عنصر فاعل في ارساء قواعد ثقافة اجتماعية ذات طابع خيري، الامر الذي يساعد في وضع المسارات الصحيحة، في عملية التحريك الاجتماعي، لدى العديد من الشرائح الاجتماعي، بمعنى اخر، فان المبادرات ليست مرتبطة ببعض المكونات الاجتماعية، بقدر ما تحول خلق اطار جامع لمختلف الفئات، لتعزيز مبادئ راسخة، وتعميق هذه الثقافة في الفكر الاجتماعي، خصوصا وان المبادرات تعزز روح الفريق الواحد، وتعمل على تعظيم الفوائد على الاطار الجمعي، وبالتالي فان المبادرات الاجتماعية عامل اساسي في تحريك بعض المشاكل، ومحاولة ايجاد الحلول المناسبة، من خلال توفير الاليات الخاصة للقضاء على بعض الإشكالات، التي تواجه بعض الفئات الاجتماعية، سواء نتيجة الضغوط الحياتية، او نتيجة عوامل اخرى خارجة عن الارادة، مما يتطلب اظهار التعاطف، واتخاذ الموقف المناسب، لحث بعض العناصر على المبادرة، لتوجيه الانظار لتلك المشاكل، بطريقة غير استفزازية.

نجاح المبادرات الاجتماعية مرتبط بارتفاع الوعي لدى الفئات الحاضنة، فهناك الكثير من المبادرات آنية وغير مستدامة، باعتبارها ظواهر وقتية بالدرجة الاولى، مما يفرض التعامل معها كونها ”زمنية“، وليست طويلة الامد، الامر الذي يتطلب وضع اجراءات على مقاس تلك المبادرات الوقتية، فيما تتطلب بعض المبادرات تحركات طويلة الامد، نظرا لارتباطها بقضايا عميقة وجذرية، مما يستدعي البحث عن الاليات المناسبة، والقادرة على التعامل بمرونة مستمرة مع التطورات، والمستجدات المتلاحقة، بحيث تنسجم مع التطور الثقافي السائد في البيئة الاجتماعية، وبالتالي فان الوعي الاجتماعي يمثل العامل الحاسم، في قدرة تلك المبادرات البقاء او الاختفاء، فاذا كان التفاعل بالمستوى المطلوب فان عناصر البقاء تكون ماثلة للجميع، فيما الوضع سيكون مأسويا، ومخيبا للامال، بمجرد انزواء البيئة الاجتماعية جانبا، وعدم التفاعل مع تلك المبادرات بالطريقة المطلوبة.

تبقى المبادرات الاجتماعية اكثر قادرة على رسم ملامح المرحلة الراهنة، وكذلك محاولة تكريس ثقافة اجتماعية ايجابية في مختلف الاصعدة، خصوصا وان المبادرات تنم عن احساس كبير بالقضايا الاجتماعية السائدة، مما يتطلب البحث عن مخارج وطرق لمعالجتها بالاسلوب المناسب، الامر الذي يتطلب الاستفادة من العمل الخيري، وتوجيه الطاقات البشرية بالاتجاه الملائم، بحيث يعود على البيئة الاجتماعية بالفائدة، ويكرس مبادئ ثقافة راسخة، باتجاه توليد المزيد من المبادرات، ذات الاثر الايجابي على الصعيد الجمعي.

كاتب صحفي