آخر تحديث: 27 / 11 / 2020م - 3:09 م

فوضى الازمات

محمد أحمد التاروتي *

يتخذ البعض مبدأ ”احراق روما“ و”علي وعلى اعدائي“ وسيلة لتحقيق بعض الاغراض، حيث يعمد لافتعال المشاكل على الدوام، ويعمل على حرق جميع المراكب للقضاء على كافة طرق ”النجاة“، بهدف ارغام الاخرين على الخضوع والاستسلام من جانب، وتقديم قرابين الطاعة من جانب اخر، لاسيما وان انتهاج طريق الحلول الوسط، ومبدأ تقاسم الغنائم ليس واردا في قاموسه الحياتي، انطلاقا من شعار ”كله او خله“ بهدف الاستحواذ على جميع الساحة، واستبعاد كافة وسائل التفاوض، على تقاسم المصالح على الارض.

عملية افتعال الازمات تشكل الطريق الاكثر قدرة لاحداث الفراغ الاجتماعي، مما يستدعي التحرك السريع لسد تلك الفجوات بطرق مختلفة، لاسيما وان عملية الحصول على المكاسب بالوسائل المشروعة، يتطلب الكثير من الوقت، والمزيد من الجهد، فضلا عن امكانية الفشل في الوصول الى تلك الاهداف المرسومة، مما يستدعي ازاحة الاطراف المنافسة بشكل مباشر، بواسطة افتعال المشاكل، ومحاولة احداث الفوضى والتشويش، خصوصا وان عملية انتزاع المكاسب تفرض استخدام شتى الاساليب المشروعة وغير المشروعة، الامر الذي يعطي الضوء الاخضر للشروع في اثارة المشاكل، في البيئة الاجتماعية لاخراج الاطراف المنافسة، من الساحة بشكل نهائي.

اشعال الازمات الاجتماعية مرتبط احيانا بالظرف الزماني، وكذلك بنوعية الاليات المناسبة المستخدمة لتوظيفها بالطريقة الملائمة، نظرا لوجود ازمات مشتعلة تحت الرماد، مما يحفز على اشعالها مجددا، لاعادة النعرات بين الفئات الاجتماعية، خصوصا وان عملية ادخال الجميع في المواجهة المباشرة ليس صعبا، نظرا لوجود رواسب قادرة على اثارة الخصومة بشكل سريع، وبالتالي فان الاستفادة من الظروف الزمانية احدى الوسائل المستخدمة لاشعال الفوضى الاجتماعية، فيما يتحرك اصحاب مبدأ ”الفوضى“ بطريقة غير متوقعة، لادخال بعض الفئات في الخصومة المباشرة، من خلال اللعب على التناقضات وتضخيم بعض الامور الهامشية، من خلال التركيز عليها، ومحاولة اخراجها من سياقها الطبيعي، بهدف تحريك النفوس بطريقة ”خبيثة“، مما يساعد في تحريك المياه الراكدة، واثارة الضغائن في النفوس، الامر الذي يساعد في خلق احياء مشاكل اكل عليها الدهر وشرب.

الدخول في المواجهة المباشرة مع الاطراف المنافسة، تحمل في طياتها الكثير من المخاطر، فضلا عن امكانية تكبد الكثير من الخسائر على الصعيد الشخصي، مما يؤثر على رصيد النفوذ وفقدان بعض المكاسب، الامر الذي يستدعي التحرك بطريقة غير مباشرة، من خلال اشعال المشاكل ب ”الوكالة“، بواسطة استخدام بعض الاطراف الموالية او المناصرة، فتارة تكون عبر تقديم الكثير من المغريات المالية للانخراط في مشروع الفوضى، وتارة اخرى عن طريق الاجبار وممارسة القهر بشكل مباشر، لاسيما وان عملية الانخراط الطوعي في مشاريع ذات انعكاسات خطيرة، على البيئة الاجتماعية ليست مضمونة على الاطلاق، مما يستدعي استخدام الضغوط المباشرة لتطويع الاطراف الموالية للمشاركة الفاعلة، والعمل على تخريب البيئة الاجتماعية عبر اثارة الكثير من المشاكل، والعمل على تأجيجها بمختلف الوسائل المشروعة وغير المشروعة.

الشعور بخسارة المكاسب الاجتماعية، وفقدان جزء من النفوذ على الصعيد الشخصي، احدى العوامل المخفزة على اطلاق مشروع ”الفوضى“ في البيئة الاجتماعية، خصوصا وان الخشية من الجلوس في المقاعد الخلفية، تدفع للتفكير بطريقة ”شيطانية“ للاحتفاظ بالمكاسب الشخصية، وبالتالي فان مبدأ ”اذا عمت طابت“ سيكون الحاكم في التحرك الشيطاني، ومحاولة خلق المشاكل، لاسيما وان الفوضى تمثل البيئة المثالية والخصبة لخلط الأوراق، واستمرارية الامساك بالمكاسب الاجتماعية، نظرا لانشغال الجميع بمعالجة تلك المشاكل، وعدم الالتفات لتصفية الحسابات الشخصية، بمعنى اخر، فان ادخال البيئة الاجتماعية في الفوضى العارمة، ينطلق احيانا من مخاوف ”وهمية“، مما يدفع لاطلاق شرارة الاشتباك الدموي بين الشرائح الاجتماعي، بحيث تخلق المزيد من العداوة والخصومة في النسيج الاجتماعي الواحد، الامر الذي يفرق الجميع شيع وأحزاب تحاول الانتصار للقبلية، بعيدا عن المصالح المشتركة والقاسم المشترك الجامع بين مختلف الشرائح الاجتماعية.

كاتب صحفي