آخر تحديث: 26 / 11 / 2020م - 2:59 م

الفزعة

محمد أحمد التاروتي *

تشكل العاطفة عنصرا محركا لانتشار ثقافة ”الفزعة“، في البيئة الاجتماعية، فالظلم التي تتعرض له بعض الشرائح الاجتماعية يولد حالة من التعاطف الجمعي، بحيث يترجم على اشكال مختلفة، بعضها مرتبط بمحاولة ”رد الحجر من حيث اتى“ والبعض من خلال تقديم مختلف اشكال الدعم، فيما البعض الثالث يحاول معالجة اسباب المشكلة، بهدف تخفيف الوطأة على تلك الشرائح، واعادتها لممارسة دورها في المجتمع، لاسيما وان الشعور بالظلم يترك جروحا عميقة في النفوس، مما يستدعي العمل على معالجة تلك الجروح بشكل سريع.

الفزعة الاجتماعية ليست على نسق واحد، انطلاقا من الثقافة الحاكمة في البيئة الاجتماعية، فهناك الفزعة المحمودة والأخرى المذمومة، فاذا كانت ذات منطلقات واهداف سامية وانسانية، فانها تجد الاشادة والتضاعد من مختلف الفئات الاجتماعية، نظرا لما تمثله من قيم ومبادئ اخلاقية، الامر الذي يساعد في رفع الضيم والقهر عن الفئات ”المظلومة“، وبالتالي المساهمة في تضميد الجراح النفسية لدى تلك الفئات المقهورة، فيما سيكون الوضع مختلفا بالنسبة للفزعة القبلية والعنصرية، باعتبارها فزعة ذات صبغة غير اخلاقية، مما ينعكس على الثقافة الاجتماعية الحاكمة، خصوصا وان تقديم المساعدة يستدعي الاستناد على قيم اخلاقية راسخة، بهدف نشر هذه الثقافة الاجتماعية الايجابية لدى مختلف الاجيال.

وجود محركات عاطفية لمواجهة ”الظلم الاجتماعي“، يولد ثقافة الفزعة في لدى العديد من الفئات الاجتماعية، خصوصا وان العملية مرتبطة بالاحساس بمعاناة الاخرين، ومحاولة تلمس الاثار المترتبة على استمرارية الظلم، وعدم القدرة على مواجهة مختلف انواع القهر، وبالتالي فان المحركات العاطفية تدفع باتجاه ممارسة الدور الإصلاحي، والعمل على ازالة اسباب القهر، والبحث عن المشتركات الانسانية، بدلا من تكريس ثقافة ”الغلبة“ في البيئة الاجتماعية، نظرا لعدم قدرة بعض الفئات الاجتماعية تحمل مختلف انواع القهر، مما يضطرها للسكوت وتحمل الضيم، نظرا لعدم امتلاكها للادوات اللازمة للوقوف في وجه ”الظلم الاجتماعي“.

الاستجابة السريعة لمساعدة الفئات المقهورة، والعمل على تضميد الجراحات، ومعالجة الاثار النفسية، يكشف الجانب الايجابي في البيئة الاجتماعية، ويعطي اشارات واضحة بإحساس كبير بالمعاناة الناجمة عن ”الظلم“، فالعملية مرتبطة الانكسار الداخلي والشعور الضعف، مما يستدعي التحرك لاعادة الاعتبار لهذه الفئة الاجتماعية من جانب، والحرص على إعادة برمجتها بشكل تدريجي في المجتمع من جانب اخر، لاسيما وان فقدان بعض العناصر الاجتماعية يشكل خطورة كبرى على المجتمع، نظرا لاهمية المشاركة الفاعلة لمختلف الشرائح الاجتماعية في عملية البناء، وبالتالي فان ”الفزعة“ تحدث اثرا كبيرا لدى الفئات المقهورة، بحيث تظهر على صور متعددة بعضها يكون في استعادة المكانة الاجتماعية سريعا، والبعض الاخر يتمثل في الاحساس بالانتماء الحقيقي للبيئة الاجتماعية، نظرا لشعور هذه الفئة المظلومة بوجود تعاطي حقيقي لتقديم المساعدة بنوايا صادقة.

ثقافة الفزعة قادرة على تكريس الظواهر الايجابية في البيئة الاجتماعية، باعتبارها تجسيدا حقيقيا لمبدأ ”التعاون على البر والتقوى“ وكذلك ”حوائج الناس من نعم الله عليكم“، وبالتالي فان توجيه هذه الثقافة بالاتجاة الإيجابي، يعطي صورة مشرقة للوسط الاجتماعي، خصوصا وان توجيه ”الفزعة“ باتجاه العصبية والقبلية يفرغها من محتواها الانساني، مما يجعلها في اطار ضيق وغير محمود على الاطلاق، نظرا لاعتماد مبدأ ”انصر اخاك ظالما او مظلوما“ بالطريقة الخاطئة، وبالتالي فان العمل على نشر ثقافة الفزعة في المجتمع يتطلب وجود قواعد اخلاقية حاكمة، بهدف احداث الاثر الكبير في الثقافة الجمعية، عوضا من تكريس ثقافة العصبية، التي تشكل خطورة كبرى على القيم الاخلاقية والإنسانية، المحركة للعواطف باتجاه ”الفزعة“.

تبقى الفزعة احدى المحركات الانسانية تجاه ظلم الانسان لاخيه، فهي تحاول اخراج الفئات المظلومة من دائرة الانكسار الداخلي، الى فضاء الشعور بالتعاضد والانتماء الى المجتمع بمختلف اشكاله، الامر الذي يشكل خطوة كبرى في عملية معالجة الظواهر السلبية، التي تمارسها بعض الفئات تجاه الشرائح الضعيفة.

كاتب صحفي