آخر تحديث: 25 / 11 / 2020م - 8:17 م

المشاغبة

محمد أحمد التاروتي *

انتهاج مبدأ المشاغبة واثارة الفوضى، يكشف حالة من الضعف الداخلي، والإحساس بنوع من الفشل، مما يستدعي التحرك بشكل معاكس للتغطية على تلك المشاعر السلبية، حيث تترجم على شكل العديد من المواقف الفوضوية، تجاه الكثير من القضايا، سواء ذات الاطار الجغرافي الضيق، او الفضاء الواسع، خصوصا وان عملية اخفاء الضعف تتطلب استخدام الاساليب ”غير الاخلاقية“، انطلاقا من قناعات ذاتية لا تمت للقيم الاخلاقية بصلة، عبر اعتماد سياسة ”اللعب بالورقة الرابحة“، سواء كانت تلك الطريقة مشروعة او غير مشروعة.

المشاغبة لا تتطلب الكثير من المؤهلات، بقدر ما تتطلب بعض الأساليب التهريجية، واثارة العواطف، فالفريق العامل بمبدأ ”المشاغبة“ يحاول تحريك المشاعر، تجاه بعض المواقف الاجتماعية، من خلال انتهاج مسالك غير عقلانية، او احيانا ارتجالية، بهدف مخاطبة بعض الشرائح الاجتماعية، بما يدغدغ المشاعر العامة، ويغذي الاهداف الشخصية، لاسيما وان السلوك المعاكس ليس مرتبطا بالمواقف المبدئية أحيانا، ولكنه يتخذ ”العواطف“ ستارا للتواري خلف الاغراض الخاصة.

سلوك المشاغبة ليس مقصورا على بعض الممارسات الظاهرية، او الاعمال المكشوفة، فهناك الكثير من الاعمال الخفية، وغير الملموسة يجري الاعداد لها، سواء بطريقة فردية ذات انفعالات مدروسة في الغالب، او بواسطة فريق متخصص يمارس الدور بطريقة احترافية، بحيث تظهر على اشكال مختلفة ومتعددة، بهدف احدث حالة من الفوضى الداخلية، لاسيما وان الشعور الخسارة وعدم القدرة على مجاراة الاخرين، يدفع لاستخدام سياسة ”الارض المحروقة“، من اجل تحريك الامور في الاتجاهات المختلفة، الامر الذي يسهم في تأخير انكشاف الحقائق، ويقود الشعور بالانتصار الوهمي، والحصول على بعض المكاسب المؤقتة، بيد ان الاوضاع ستكون اكثر صعوبة، بمجرد ارتكاب هفوة او خطأ غير مقصود.

التصفيق المؤقت يولد إحساسا بالرضا لدى اصحاب ”المشاغبة“، مما يدفع لمحاولة استغلال هذه الشعور الداخلي، عبر الامعان في ابتكار المزيد من الاساليب الفوضوية، والكثير من الطرق لاثارة الضحك في الاطار الضيق، خصوصا وان محاولة الظهور بمظهر القوي يشكل احد العوامل الدافعة لانتهاج ”المشاغبة“، والعمل على الانخراط المباشر في القضايا الاجتماعية، من خلال اعتماد مواقف ذات صبغة ”تهريجية“، بهدف لفت الانتباه والعمل تسليط الضوء بشكل مباشر، باعتباره الوسيلة المناسبة للخروج من المأزق الداخلي، بمعنى اخر، فان الرضا الداخلي لعملية المشاغبة ينطلق احيانا من حالة الضياع الذاتي، مما يحفز على انتهاج طريقة ”المشاغبة“، كنوع من التعويض عن الاحساس بالضياع، سواء نتيجة عدم امتلاك الامكانيات اللازمة للبروز، او نتيجة استخدام الوسائل الخاطئة، مما ينعكس على النفوذ الاجتماعي بشكل عام.

خطورة المشاغبة تكمن في القدرة على التخريب، والعمل على تحريك الامور في الاتجاهات الخاطئة، بالاضافة لمحاولة توجيه الرأي العام باتجاه الطريق المعوج، مما يضع يسهم في تعقيد الأوضاع، وخلق الكثير من المشاكل، نظرا لقدرة الهدم السريعة على احداث الفوضى، بخلاف عملية البناء التي تتطلب الكثير من الصبر، والمزيد من العمل، وبالتالي فان المشاغبة تظهر خطورتها في قدرتها على تشويه الصورة امام الجميع، نتيجة العمل على محاربة النجاح، والعمل على رسم صورة قاتمة، بخصوص الكثير من المشاريع الاجتماعية، نظرا لادراك فريق ”المشاغبة“ لحجم الخسائر المترتبة، على نجاح تلك المشاريع في الوسط الاجتماعي.

الصوت المرتفع ابرز مظاهر المشاغبة في الوسط الاجتماعي، حيث تعتبر الظاهرة الصوتية ممارسة ملموسة لدى فريق ”المشاغبة“، فالمشاغبون يعتمدون على التهريج كاسلوب للفت الانتباه، فيما يحاول هؤلاء التواري عن الأنظار، بمجرد الدخول في المواقف العملية، الامر الذي يتمثل في محاولة الالتفاف على المواقف الصوتية بطرق مختلفة، بهدف التهرب من المسؤولية وعدم الانخراط في المشاركة الاجتماعية، وبالتالي فان المشاغبة عملية ذات اهداف شخصية بالدرجة الأولى، ولكنها تستخدم الصوت المرتفع وسيلة للانتشار، لدى بعض الشرائح الاجتماعية، خصوصا وان المشاغبة تمارس بطريقة باشكال مختلفة.

كاتب صحفي