آخر تحديث: 26 / 11 / 2020م - 3:04 م

مجانبة الحكمة

محمد أحمد التاروتي *

يحاول البعض ابراز عضلاته بطريقة خاطئة وليست مقبولة، مما يخلق أزمة حقيقية في الوسط الاجتماعي، نتيجة الدخول في منزلقات خطيرة، خصوصا وان طريقة تناول تلك القضايا تتناقض مع الأجواء السائدة في الفكر الجمعي، مما يترتب على هذه النوعية من الممارسات ”البهلوانية“ الكثير من التداعيات الخطيرة، فهناك الكثير من الاعمال يصعب تقبلها او السكوت عليها، باعتبارها تجاوز للخطوط الحمراء، الامر الذي يقود لردة فعل عنيفة على أصحاب، ”ليس كل ما يعرف يقال وليس كل ما يقال حان وقته“، وبالتالي فان العملية مرتبطة بالقدرة على وضع الأمور في مكانها، ومحاولة رسم مسارات محددة للتعرف على الأوقات المناسبة، خصوصا وان الدخول في مواجهة مباشرة مع البيئة الاجتماعية، تحدث اثارا سلبية في العديد من المجالات الحياتية.

الافتقار الى الحكمة يدخل المرء في متاهات صعبة للغاية، مما يجعل العودة للمربع الأول غير ممكنة وأحيانا مستحيلة، فالمرء الحكيم يتحرك وفقا للطبيعة الاجتماعية السائدة من جانب، والعمل على تكريس التماسك الاجتماعي من جانب اخر، خصوصا وان الخروج عن الاجماع الاجتماعي يمهد الطريق لتخريب المرتكزات الثقافية، والفكرية السائدة، الامر الذي يتطلب العمل على توحيد الجهود، في سبيل دعم التحركات الساعية لرص الصفوف، عوضا من تغليب المصالح الانية على حساب المصلحة العامة.

الإحساس الداخلي بالقدرة على مقارعة جميع الأطراف، يشكل عنصرا أساسيا في حجب الرؤية الواضحة، مما يدفع للدخول في معركة خاسرة، وغير متكافئة على الاطلاق، لاسيما وان الافتقار للادوات اللازمة لمواصلة المعركة، ينهي الصراع من الجولة الأولى، وبالتالي فان المرء بحاجة الى مراجعة الذات، قبل الشروع في اعمال غير محسوبة النتائج، ”رحم الله امرئ عرف قدر نفسه“، لاسيما وان الإحساس بامتلاك القوة للوقوف في وجه التيارات الاجتماعية، ليس كافيا للانخراط في المعركة، فهناك الكثير من الممارسات غير مقبولة، مما يجعلها سببا في اندلاع المعارك الاجتماعية.

اثارة المعارك الاجتماعية مسلك خطير للغاية، فالعملية ليست مرتبطة بالاثار على الصعيد الداخلي فقط، فاحيانا تمتد لتطال بيئات اجتماعية أخرى، خصوصا وان عملية اطلاق شرارة الصراع سهلة، ولكن السيطرة عليها صعبة للغاية، فالحرائق قابلة للانتشار والتمدد في جميع الاتجاهات، بمجرد وجود العناصر القابلة لانتقالها من مكان لاخر، الامر الذي يتطلب انتهاج الحكمة، والعمل على ضبط الممارسات، وعدم الاستسلام للغرور الذاتي، انطلاقا من الحفاظ على التماسك الاجتماعي، والحيلولة دون الانخراط في حروب خطيرة للغاية.

انعدام اليات قياس ردود الفعل تجاه بعض الممارسات الانفعالية، او غير المتوازنة، إشكالية حقيقية في الدخول بالمواجهة المباشرة مع المحيط الاجتماعي، فالاعمال غير العقلانية تخلق بيئة متشنجة، ومواقف انفعالية في الغالب، الامر الذي يحدث حالة من الارباك والفوضى الداخلية، نتيجة ارتكاب تلك الأخطاء الاجتماعية، خصوصا وان عملية القراءة الجمعية لتلك الممارسات غير المتوازنة، تتفاوت تبعا للمستوى الثقافي وكذلك لطبيعية المستوى الاجتماعي، مما ينعكس على ردود أفعال عنيفة أحيانا، ومتحفظة تارة الأخرى، بيد ان الانفعالات الاجتماعية تبقى القاسم المشترك، في مختلف ردود الأفعال تلك الممارسات ”البلهوانية“.

المكانة الاجتماعية ليست معيارا ثابتا، في ضبط ردود الأفعال الاجتماعية، فالبعض ليس قادرا على التحكم بانفعالاته تجاه تجاوز الخطوط الحمراء، مما يجعله يتجاوز اخلاقيات الاختلاف، من خلال استخدام مفردات خارجة عن السياق الأخلاقي، الامر الذي يعود بالضرر على البيئة الاجتماعية بشكل عام، نظرا لتجاوز ادب الاختلاف والسقوط في وحل التنابز بالالقاب، والدخول في دائرة الأحقاد بطريقة مباشرة.

السيطرة على ردود الأفعال الاجتماعية، تجاه بعض الممارسات ”البهلوانية“، ليست سهلة على الاطلاق، خصوصا وان عملية اسكات الالسن ليست واردة، نظرا لوجود اطراف تحاول اشعال نار التفرقة الاجتماعية، مما يدفعها لمحاولة التصيد في الماء العكر على الدوام، من خلال استخدام بعض الأطراف لتنظيم حملات إعلامية ضخمة ضد أصحاب الاعمال ”البهلوانية“، خصوصا وانها تمتلك المبرر لمواصلة مشوار التسقيط، كنوع من ردة الفعل المشروعة تجاه الاعمال غير الحكيمة، الصادرة من تلك الأطراف المتضخمة.

كاتب صحفي