آخر تحديث: 25 / 11 / 2020م - 7:50 م

تقدير الموقف

محمد أحمد التاروتي *

غياب مؤشر ردود الأفعال احدى الأسهم القاتلة، سواء بشكل تدريجي او بطريقة طريقة، فالمرء مطالب بمراقبة افعاله بالدرجة الأولى، وكذلك قياس التفاعلات الخارجية، سواء كانت إيجابية او سلبية، بهدف تقويم السلوك الخارجي أولا، والتعرف على المناطق المحرمة، والمساحات المباحة في الوسط الاجتماعي ثانيا، لاسيما وان تجاهل البيئة الاجتماعية ليس إيجابيا في كثير من الأحيان، الامر الذي يتطلب وضع ردود الأفعال في الاعتبار قبل الاقدام على ممارسات، خصوصا وان مستوى تقبل الشرائح الاجتماعية لبعض الاعمال، يختلف تبعا للثقافة السائدة ونوعية تلك الممارسات، وقدرتها على احداث صدمة كبرى، في العقل الجمعي الاجتماعي.

عملية قياس ردود الأفعال ليست مرتبطة بالخوف، او محاولة ”المهادنة“، بقدر ما تستهدف وضع الأمور في النصاب السليم، لاسيما وان الكثير من الممارسات تجلب حالات من ”صداع الرأس“، مما يستدعي تجنبها، او محاولة تشذيبها بما يتوافق مع الثقافة السائدة، وبالتالي فان محاولة الخروج عن المألوف ليس مطلوبا على الدوام، فهناك العديد من الاعمال تدميرية على المدى المتوسط والبعيد، فيما ستكون ذات اثر إيجابي محدود في المدى القريب، وبالتالي فان محاولة قراءة الموقف بالشكل الصائب، يخلق حالة من التوازن المنطلق من الطموح الذاتي، وملاحظة ردة فعل البيئة الاجتماعية السائدة، خصوصا وان المرء ليس قادرا على العيش بمفرده، مما يدفعه لمحاولة التأقلم مع الوسط الاجتماعي، باعتباره الحاضنة الحقيقية لدعم بعض القرارات، والممارسات ذات الأثر الإيجابي، الامر الذي يحفز على الاختيار الصائب، والتوقيت المناسب للشروع في بعض الاعمال، بهدف تهيئة الأرضية المناسبة، وتفادي الانخراط في ممارسات صادمة، وغير مقبولة.

تجاهل البيئة الاجتماعية يحرم البعض من الاستفادة من الدعم الشعبي، لاسيما وان الرأي العام يشكل رافعة للكثير من الاعمال، والعديد من الممارسات، فيما سيجد المرء نفسه معزوما، وأحيانا مهزوما، بمجرد انتهاج ”مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى?“ و”انا ربكم الأعلى“، مما يحفز الوسط الاجتماعي على اتخاذ موقف سلبي، وبالتالي احباط المشروع الشخصي بشكل كامل، جراء الافتقار للعناصر الداعمة، وفقدان الاعمدة القوية، القادرة على تشييد ذلك المشروع الخاص، لاسيما وان الإمكانيات الكبيرة لدى البيئة الاجتماعية، قادرة على إيقاف الكثير من الممارسات الصادمة، بحيث يتجلى في الموقف السلبي منذ اللحظات الأولى، بمعنى اخر، فان النظرة الفوقية تصيب أصحابها بمقتل، جراء انتهاج سياسة ”التجاهل“ تجاه البيئة الاجتماعية، فالمجتمع الذي يعامل بازدراء وعدم تقدير يتخذ مبدأ ”المعاملة بالمثل“، مما يجعل الأمور اكثر تعقيدا منذ البداية، وبالتالي الوصول الى النتيحة الحتمية ”الفشل“.

رؤية الأمور بشكل واضح، ومحاولة التعاطي بروح انفتاحية، يساعد في انارة الطريق، وإزالة جميع العراقيل من الجادة، لاسيما وان الشفافية والوضوح يعزز الثقة بين الأطراف المختلفة، مما يحدث حالة من الارتياح المتبادل، بحيث يتجلى في التفاعل المشترك في القضايا المختلفة، خصوصا وان الشفافية تساعد في تبديد الشكوك وتفتح العقول، لتبادل الآراء بشكل احترام متبادل، لاسيما وان الغموض يزيد الشكوك، ويرفع من مستوى ”التخوين“ المتبادل، مما يضع الجميع في مواجهة مباشرة، وبالتالي فان التعاطي بإيجابية منذ اللحظات الأولى، يضع الحروف على النقاط، ويسهم في الإجابة على الكثير من الأسئلة الحائرة، ويحقق المصالح المشتركة، خصوصا وان الجميع يبحر في مركب واحد، مما يتطلب التعامل بالوضوح التام، والابتعاد عن الاتهامات المتبادلة، سواء في القضايا الشخصية او الاجتماعية.

الإصرار على النجاح يدفع باتجاه وضع استراتيجية ”قياس الموقف“، فالاطراف الراغبة في استقطاب البيئة الاجتماعية، تحرص على التحرك الحذر، وتفادي الدخول في المناطق المحظورة على الاطلاق، باعتبارها محاذير تعود على الجميع بالضرر الكبير، خصوصا وان الممارسات الصادمة تصيب الوسط الاجتماعي بالذهول، مما يولد حالة من النفور في البداية، وبعدها اتخاذ الموقف المعارض، وبالتالي فان قراءة الموقف من البداية تجنب الدخول في التصادم المباشر، مما يسهم في استمرارية الاستقرار الاجتماعي، وتجنب الولوج في ممارسات تدميرية، لا تصب في المصلحة المشتركة.

كاتب صحفي