آخر تحديث: 25 / 11 / 2020م - 7:00 م

نقاشات الحافلة الجامعية

حسن المصطفى * صحيفة الرياض

لستُ مغرماً بحيازة السمك الذي في شِباك غيري، ولا أجد نفسي ميالة لأن أسرق أي سنارة، كي أرمي بحبلها في بحر يراه كثيرون نقياً، فيما قاعه متخمٌ بالفخاخِ المسمومة؛ لذا، سأكمل ما أحسنُ فعلهُ، - أي السرد - تلك الحكايا الكثيرة، التي تخرج من الذاكرة دون أن نعرف لها بداياتٍ أو منتهى، وتلد منها أسئلة بحجم الجبال الشاهة، لسنا معنيين بأجوبتها، وكما قال الصديق حسين مرهون: وعلينا السؤال الجماعي، وعلى غيرنا تقع الإجابة!

كانت فترة الجامعة، ولادة للأسئلة، ألم يقل الحق: ”سنلقي عليك قولاً ثقيلا“، الثقل لم يكن في حداثة تجربتنا، أعيننا التي لم تعتد على الضوء الساطع بعد، وعودنا الطري، وأنفسنا الطيبة التي تخدعها ابتسامة.

كنا نتنقل بالسيارة أحيانا، وبالباص أحايين كثيرة، من القطيف إلى الرياض، وفي تلك المفازات، كانت النقاشات لا تنتهي، خصوصاً إذا استخدمنا الحافلة، حيث تتعرف على شبان من مدن وقرى قطيفية متنوعة، يحملون أفكاراً متباينة.

كان الباص مساحة للسجال، بين حافلات محافظة، تضع الأدعية والمحاضرات الدينية، والأفلام الملتزمة، وأخرى أقل تشدداً، أو لأقل طبيعية، تستمع فيها للأغاني الخليجية، والنهام والموال العراقي، وبعض أشرطة الفيديو التي يحضرها بعض الشبان معهم.

لم تكن الأمور تمر بيسر، فعندما يطرب السائق لخالد الشيخ أو ناظم الغزالي أو محمد عبده، مرخياً روحه لصوت أثير يؤنسه في الطريق، تجد هنالك فرداً أو أكثر، ينهضون، مطالبين بإغلاق الراديو، أو تخفيض الصوت، كيف لا، والغناء حرام، وها أنت يا حادي العيس تجاهر بالمعصية!

ذات الشيء، عندما تظهر لقطة في فيلم ما، تجد المعترضين، المطالبين بمزيد من الحشمة، أو تغيير الفيلم أو حتى إغلاق التلفاز كاملاً.

الحافلات بدورها كانت أنواعا، تتعرف إليها مع الزمن، فتقصد ما يلائم مزاجك، أو تجد فيه رفاقك، أو تكون ممتلئة بأبناء منطقتك.

كانت الحافلات مساحات أيضاً للتمايز الاجتماعي، الذي يمارس بصمت متواطئ عليه، دون أن يعترف أحدٌ أنه في دواخله يُفضلُ جماعة ويقصي أخرى.

كانت النقاشات تأخذ طابعاً متنوعاً: فقهياً، أدبياً، اجتماعياً، رياضياً، وأيضا الكثير من النميمة الجميلة، والنكات، والقهقات، وحكايا الرفاق.

كانت الحكايا على بساطتها، ومحدودية أفقها في كثير من الأحيان، وانجرارها إلى مواجهات سجالية طفولية بين تيارات دينية أو مرجعية ما، إلا أنها حفزت العقل على النقاش، على السؤال، وأخبرتنا أن هنالك مختلفين، لا يتفقون معنا في كل شيء، رغم أنهم أبناء منطقتنا، وجيران لنا، وهنالك الكثير من النقاط المشتركة بيننا.

إدراك التباينات، كان نقطة جدُ مهمة، لأنها جعلت الطريق أكثر يسراً لقبول اختلافاتٍ أكبر، من أفراد وزملاء دراسة قادمون من مناطق متنوعة؛ وبالتالي جعلت صدمة التباينِ أقل حدة، وهذا بالضبط ما يفعله التنوع بنا؛ هو مران دائم على أن الصواب ليس حقاً محتكراً لدى أحد، هو أفق ممتد، لا يستطيع واحدنا ادعاء ملكيته، حتى لو بلغ من العلمِ عِتياً!.