آخر تحديث: 7 / 3 / 2021م - 8:34 م

زمان «التبريزي»

ميرزا الخويلدي * صحيفة الشرق الأوسط

لا أعلم قرناً من الزمان، أكثر جنوناً من القرن الثالث عشر الميلادي... قرن هائج بالفتن والحروب والاضطرابات في كل أصقاع المعمورة. فعلى مدى مائة عام اشتعلت الحروب والغزوات والتهجير، وساد الغوغاء والمتوحشون أجزاء واسعة من العالم، وهدمت مراكز الحضارة والثقافة... وتمّ تدمير النسيج البشري بصورة فوضوية، لم تسلم منها بقعة من الأرض! في هذا القرن استفحلت الحروب الصليبية، وأصبح الشرق نهباً لفرسانها، وتفشت الصراعات والحروب في أوروبا: المجر وبريطانيا وإسبانيا «سقوط قرطبة وإشبيلية في الأندلس»... وأصبحت قبائل المغول والتتار قوة قاهرة تجتاح آسيا والصين وروسيا وأجزاء من أوروبا ودمرت مركز الخلافة في بغداد «1258م»، وطحنت الصراعات الداخلية بقايا الدولة العباسية...

وسط الفوضى والخوف والتهجير من حروب المغول، وُلد ونشأ جلال الدين الرومي، الفيلسوف والعاشق الروحي الذي قدم أجمل قيم التسامح والمحبة والسمو الروحي والزهد وتهذيب السلوك الإنساني. وُلد في بلخ بأفغانستان «1207م»، وبسبب الخوف من المغول تنقّلت أسرته من مكان إلى آخر، بينها بغداد وبلاد فارس، حتى استقر مع أسرته في مدينة قونية في الأناضول التركية. في عام 1243م سيطر المغول على الأناضول، وفي العام التالي 1244م، ووسط أجواء الاضطراب والفوضى، يلتقي جلال الدين الرومي، الذي بات يُعرف ب «مولانا» مع الرجل الذي قلب حياته رأساً على عقب؛ شمس الدين التبريزي، الدرويش الرحالة الذي يحمل معيناً روحياً لا ينضب، رجل مملوء فلسفة وعرفاناً، ولديه القوة الساحرة التي حوّلت «مولانا» إلى مريد له وعاشق، يصفه بالقول: «شيخ الدين وبحر معاني رب العالمين، الأرض والسماء تبدو أمامه كأنها قشّة، لو أظهر جماله دون حجاب لما بقي شيء في مكانه، ولا ينبغي أن نفلت ذيل ثوبه من أيدينا إن أردنا إدراك الحقيقة. لو طلع الشمس لانعدمت الظلال».

قبلها كان الرومي فقيهاً عارفاً، يمتاز بقراءة الأوراد الزاخرة بالمحبة على تلاميذه، وحين تعرف على شمس التبريزي أدرك سرّ العرفان، وأطلق روحه تسبح في رحاب العشق، وحتى عبادته أصبحت شفافة تمزج الأذكار بالشعر والرقص والغناء، والأهم أنهما قدما في تلك الحقبة القاحلة نموذجاً للحبّ والتسامح والسمو الروحي. وأجمل ما أنتجته صحبتهما القصيرة «قواعد العشق الأربعون» التي حوّلتها الكاتبة التركية إليف شافاك إلى تحفة روائية.

لا بد من العودة إلى زمان جلال الدين الرومي، وزمان شمس التبريزي، لكي نصل إلى أنهما صنعا زمانهما ولم يصنعهما ذلك الزمان الكئيب. ربما لو أطلقا العنان لموجات الثقافة السائدة آنذاك لتحولا إلى مقاتلين أو موزعي صكوك الخلاص... فمن يستطيع وسط ذلك الجنون أن يُنتج هذا العرفان المشحون بالحب والتسامح؟!

أملى شمس التبريزي على «مولانا» قواعد العشق الأربعون، وفي القاعدة الثامنة والعشرين، يقول: «إن الماضي تفسير، والمستقبل وهم. إن العالم لا يتحرك عبر الزمن وكأنه خط مستقيم، يمضي من الماضي إلى المستقبل. بل إن الزمن يتحرك من خلالنا وفي داخلنا في لوالب لا نهاية لها. إن السرمدية لا تعني الزمن المطلق، بل تعني الخلود».

ما تقوله سيرة الرومي والتبريزي، إن الزمن البائس لا يصنع بالضرورة ثقافة بائسة. والصراعات المشحونة بالأحقاد لا يمكنها قسراً أن تجعل الناس شياطين يرقصون حول نيرانها.

الصراعات جاذبة لأنها تقدح على وتر العصبيات، والمثقف جزء من هذا النسيج الملتهب بالحماس، يمكنه أن يكون وقوداً للفتن وحطباً لنارها ومنبراً لكراهياتها... أو يتلمس طريق «مولانا» وصاحبه التبريزي... وإذا كان الزمان هو الحكم، فقد بقيت ثقافة الحبّ والتسامح وأشعار العشق... واندحرت خيول المغول وفرسانها...!