آخر تحديث: 7 / 3 / 2021م - 10:10 م

مارادونا

سالم الأصيل

إذا سمعت صوتًا عاليًا بين مشجعي وعشّاق كرة القدم؛ في تحديد مَن مِن نجومهم المفضلين يستحق أن يُنعت ”أسطورة“، فلا تعجب!

فذلك تعريف نسبيّ سيخضع لمقاييس ومعايير عديدة في رأس كلّ مشجع بل ومتابعٍ رياضيّ، وستتأثر أو ربما تخضع كلّ خضوع للميول الشخصية والأحكام الذاتية العاطفية غالبًا لمُطلِق الحكم. وهذا طبيعيّ جدًّا.

لكنك لن تجد أحدًا يختلف على موهبة وفرادة ”مارادونا“ وحده، هكذا، ودون أن نحتاج إلى ذكر اسمه كاملاً ”دييغو أرماندو مارادونا“.

ذلك لأنّ هذا الاسم اجتاح العالم بأسره، بكلّ سكان الكرة المستديرة «الكرة الأرضية»، وليس عشاق الساحرة المستديرة «كرة القدم» حصرًا.

اجتاحها كطوفانٍ هادر يرمز للشغف والجنون والتمرد واللامبالاة.

مثالاً لكّل ما هو ثوريّ مثير للجدل، خارج عن المألوف، ضاربًا بالقوانين عرض الحائط.

بل وبالرصاص أحيانًا كما فعل - مثالاً لا حصرًا - في الحادثة الشهيرة مع الصحفيين الذين لم يبرحوا الجنون بجنونه، والهوس بتفاصيل حياته الشخصية حدّ ملاحقته إلى أضيق تفاصيلها ودهاليزها.

الكلام الذي يسمعه الجميع؛ يهزّون له رؤوسهم تصديقًا وامتثالاً، أنّ طريق النجاح طريق صعب، وبلوغ المجد يحتاج المثابرة والعمل الجاد.

وأن الوصول لقلوب الجماهير في لعبة شعبية يحتاج إلى موهبة خلاقة، وانضباط خاص، وربما أخلاق لطيفة وسيرة مثالية.

وهذا كله صحيح، ولا خلاف عليه. فإن كنت تريد نصب مثال رياضي شامل يحتذى به فلن يكون هو مارادونا، لكنه حتمًا سيكون المثال على الموهبة الفذة والجودة العالية التي أنست محبيه وكارهيه الزخم الكبير من عيوبه.

شق مارادونا الطريق المغلق مثالاً للموهوب الفطري الذي بزغ نجمه من قلب ظلمة أزقة حي فقير أدارت له أضواء الحياة ظهرها حتى صارت الحياة نفسها لا ترى ضوءه الخافت.

جاء مارادونا ابنًا وفيًّا لبيئته التي طوى الزمان جائرًا كشحه عنها، فطوى هو للأبد عن كثير من المبادئ التي يتسالم عليها ”العقلاء“ والمتّزنون والمثابرون للتشبث بأطراف المجد، فحطّ قدميه راقصًا على سلالم المجد بقفزات هائلة، مراوغًا كل مبدأ من مبادئ النجاح المتسالم عليها بحركات جسده الراقص وسحر رجله اليسرى الذهبية التي حيّرت رفاقه وخصومه.

منذ الثمانينيات الميلادية، لم يكن مارادونا اسمًا من أسماء لاعبي كرة القدم الذين تجري أسماؤهم على ألسن مُعلّقي المباريات وعشاق كرة القدم فحسب، بل إنك تجد - دون تأمل طويل - اسمه يجري على ألسن الناس كلهم، رجالاً ونساءً، شيوخًا وأطفالاً.

أتعرف ماذا يعني أن يشتهر اسم لاعب كرة قدم بتلك الحدة في فترة سبقت التنامي المتضاعف لشعبية كرة القدم في العالم كما هي عليه اليوم؟

وقبل بزوع عهد وسائل التواصل الاجتماعي التي تُداول المعلومات والأحداث والأشخاص فتصنع المشاهير بسهولة بين طرفة عين والتفاتتها بجدارة ودونها؟

بروزه كنجمٍ قدّمته موهبته يوم كانت الكثير من المجتمعات بعدُ لم تؤمن بالرياضة وأهميتها في حياة الشعوب، بل كانت موطن كفرهم وسط انشغالهم بالجد في غمار الحياة وكفاحهم مطاردة متطلباتها.

يضرب جُلُّ اللاعبين من الهواة والمحترفين باسمه المثل، يحاكون تحركاته، ويدّعون فنّه.

حتى في التهكم، يُضرَب بمن يدّعي إتقان فنّ اللعبة ضربًا من ضروب السخرية منه: تفكر حالك مارادونا؟!

حتى أولئك الذي ليس لهم خيل ولا ركاب في كرة القدم، لو سألت أيًّا منهم عن اسم يعرفه في كرة القدم، لما عدا اسم مارادونا، كما لو كان الماركة التجارية الأبرز لكرة القدم، بل والعلامة التجارية المسجلة باسمها ورسمها.

بل وحتى عهد قريب، بعد كفّه عن مداعبة معشوقته واعتزالها لاعبًا، لم يخفت بريق هذا النجم، بقي اسمه لامعًا كالنجم البعيد الذي وإن لم تحظَ بمشاهدته عن قرب؛ إلا أنك ستراهن على أنّ هذه الأسطورة الرياضية هي الأيقونة الاستثنائية اللامعة في سماء كرة القدم.

نشأت أجيال جديدة برزت معها أساطير جديدة في كرة القدم، لم تره يرقُصُ ويُرقِّص من في المستطيل الأخضر، بل ومن هم في المدرجات وخلف الشاشات بخفة جسده، وحركة قدمه الساحرة دون أن يتوقع أحد ماذا سيفعل في أيّ لحظة من امتلاكه الكرة أو تحركه دونها حادسًا مستبقًا بحسه المرهف المكان الذي ستكون فيه.

كما لو كان يضرب معها موعدًا خاصًّا دون خفاء، أو كما لو كان يحمل في رأسه وقدمه شفرتها الخاصة.

مارادونا أيقونة كرة القدم العالمية، الشعبية بمعناها المباشر والصريح، بعيدًا عن مفاهيم النخبة والاحتراف واشتراطاته.

بل وبعيدًا عن مبادئ كرة القدم الأساسية التي أولها ”جماعية اللعبة“، إذ جاء اللاعب الفذ بفرديته وفردانيته الاستثنائية ليحمل فريقًا بأكمله، بروحه العظيمة الملهمة لرفاقه في الفريق.

أتى من بعيد ليسحر ألباب العالم برقصته الساحرة على أنغام التانغو الأرجنتينية، وليثبت لهم معجزة أن بمقدور اليد الواحدة أن تُصفِّق فتُطرِب.

مارادونا المثال الأول الصاخب للاعب كرة القدم الثوري، المحبوب رغم كلّ عيوبه ومشكلاته وتمرّده داخل الملعب وخارجه.

العبقرية التي أولدها الشغف باللعبة وجنون ممارستها حبًّا وعشقًا لها.

رقد مارادونا الآن بسلام، فأيقظ ذاكرة كلّ من شاهده واستمتع بفنه الفذ الفريد. مبقيًا نفسه الشاهد الأبرز على سحر كرة القدم وكلمة السر الأكثر تعقيدًا وبساطةً في الوقت نفسه. اللاعب الذي لم يلعب كرة القدم لأنّها مصدر لقمة عيشه، بل بصفته عاشقها ومالك سرّها والمهيمن عليها.

أعلنت بلاده - التي عُرفت به - الأرجنتين الحداد ثلاثة أيام لرحيله، ليثبت أن مارادونا لم يكن مجرد لاعب كرة قدم، وأن كرة القدم ليست مجرد لعبة.

إن لم نختلف على أنّ لكلّ زمان أساطيره، فسيكون مارادونا أسطورة أساطير كرة القدم في كل الأزمنة، بل أسطورة الرياضيين جميعًا.