آخر تحديث: 14 / 4 / 2021م - 9:41 م

يوسف الصديق مرة أخرى

سلمان محمد العيد

خلال ثلاثة أيام أو أكثر، وبحكم طبيعة الانتقال من المنزل إلى موقع العمل، والذي يحتاج إلى ساعة من نهار في الذهاب، ومثلها في الإياب، ولأني تعودت أما أن أضع المذياع على محطة أخبارية لمتابعة ما يجري في هذا العالم، أو على محطة من محطات القرآن الكريم، والمصادفة خلال هذه الأيام القليلة إنني صرت مستمعا لسورة يوسف، من أكثر من قاريء، تارة من لسان الشيخ محمد ايوب، اوالشيخ عبدالله خياط، اوالشيخ السديس، وكأن شيئا ما يقول لي توقف مع النبي الصديق، فكان.

ورغم إني وقفت على القصة وأبديت ملاحظة هي ما توصلت له مخيّلتي من هذه القصة الخالدة، إلا إن هناك شيئا آخر ظهر لي وأحببت ان أشرك اخواني ومن يقرأ لي في هذه الفكرة، وهي علاقة الدين بالسياسة. ويمكن ان نوجز هذه الفكرة من خلال النقاط التالية:

أولا: الدين والسياسة، هذه القضية التي لا يزال الجدل قائما حولها، وسوف يستمر الى أن يأذن الله، والحقيقة يصعب الفصل بين الدين والسياسة، بدليل أن ابرز الرموز الدينية وممثلي رب العالمين في الكرة الأرضية وهم الأنبياء والأوصياء دخلوا السياسة من أوسع أبوابها، فالنبي سليمان وقبله النبي داوود كانا سياسيين بامتياز، حتى ان النبي سليمان كان حاكما لنظام لا ينبغي لأحد قبله ولا بعده، وسخر الله له الريح والطير والحيوان، ثم ان النبي يوسف وهو مورد حديثنا صار حاكما على مصر، تحالف مع الحكومة الكافرة وأصلحها، ثم أصلح الوضع الاقتصادي والاجتماعي في مصر، ولم يقل انه نبي والنبي له رسالة بعيدة عن السياسة، وتوج ذلك الأمر بأن الرسول الأكرم محمد بن عبدالله قاد حكومة وصار حاكما، ومن بعده الصحابة حكموا أيضا، وبإسم الدين.. الشاهد أن كل هؤلاء الصالحين وكلهم حملة كتب ورسالات، وينطلقون في حياتهم اليومية، ويتصرفون وفكرهم ديني أصيل، لا خلاف عليه، ومع ذلك نجدهم يحكمون، ويتعاطون السياسة من بوابة الحكم.. وكانوا جميعا مصاديق العدالة السياسية.

ثانيا: إذا كان يوسف الصديق، والنبي سليمان، والنبي محمد، صاروا حكاما، فإن من الأنبياء والأوصياء وحملة الدين من دخل السياسة من بوابة المعارضة، فالنبي موسى لم يحكم لكنه عارض الحاكم وهو فرعون، والنبي ابراهيم لم يحكم لكنه عارض نمرود وتحمل الأذى وأريد حرقه في النار، وكذلك كافة الانبياء.. ولا ينبغي تسطيح المسائل والقول بأن الانبياء أصحاب رسالة للإنسانية لادخل لهم بالسياسة، فالسياسة جزء من رسالة إصلاحهم، والفساد والانحراف عن شريعة الله لم يأت على صعيد أخلاقي اجتماعي فقط، وإنما هناك حالات كثيرة من الانحراف السياسي تصدى لها المصلحون وأبرزهم الأنبياء. فالنبي موسى دخل في صراع مع رأس الهرم في دولة الفراعنة، ودعاه الى التوحيد، وطلب منه ان ينهي الوضع الظالم الذي كان يمارسه، أو يمارس بإسمه.

ثالثا: وإذا أتينا الى سيرة أهل البيت، فنجد ان جميع الائمة المعصومين قد تعاطوا الشأن السياسي من أوسع أبوابه، وتحمّلوا ضريبة موقفهم تجاه الوضع السياسي، فالإمام علي عاش المعارضة السياسية في ظل حكم الخلفاء الثلاثة، ثم صار حاكما على بلد اكبر من الولايات المتحدة الأمريكية.. وإبنه الحسن دخل في صراع سياسي مع معاوية وانتهى الأمر بالصلح ضمن شروط سياسية أيضا، وإما أخوه الامام الحسين فقد قاد ثورة من أعظم الثورات في التاريخ، ولا زلنا ورغم مرور أكثر من 1000 عام ندرس تلك الثورة، ذات المضامين السياسية المباشرة فهي ثورة ضد الظلم ودعوة الى الإصلاح والعدالة.. وكذلك باقي الائمة فتجد ان إماما مثل الامام الكاظم يتم اعتقاله 15 عاما، ولم نجد إماما إلا ومات مقتولا أو مسموما من قبل حاكم أموي أو عباسي، ومن تعاطي الأئمة بالسياسة ان الإمام الرضا قبل المشاركة في حكومة المأمون وهو لا يراها عادلة، ولا يراها شرعية أيضا.

رابعا: هناك في سيرة العلماء والأتقياء من دخل السياسة، فهناك من ساد وحكم، وهناك من ثار وقتل، وهناك من تعاطى مع الشأن السياسي.. ولا أظن ان المساحة تحتمل لعرض العديد من النماذج في هذا الشأن، لكن يكفي شاهدا ان الاستعمار البريطاني في ايران تعرض الى ضربة قوية بفعل فتوى المرجع الديني محمد حسن الشيرازي المعروفة بــ «فتوى التنباك»، حيث قام بتحريم تعاطي السجاير مما أدى الى خروج شركة التبغ التي كان غطاء للمخابرات البريطانية في ايران.

***

على ضوء كل ذلك فإن مقولة الفصل بين الدين والسياسة، تبدو مقولة مهزوزة وغير منطقية، والأسوأ منها من يقول بأن الدين ضد السياسة، كما يفعل بعض التيارات الإسلامية المعاصرة..

وفي هذا المجال ينبغي ان نعترف بأن هناك خلافا في هذا الشأن مورده ان الانبياء والأئمة والعلماء انطلقوا في تعاطيهم بالسياسة من خلال وضوح الرؤية لديهم، وأن الحكم الشرعي قد وقفوا عنده، وان التوجيه الالهي جاءهم بشكل مباشر وصريح، وما كان منهم الا التزموا به، وهم ــ بذلك ـ يعرفون الحكم الشرعي، ولا يحيدون عنه، لذلك كل مواقفهم صحيحة سليمة، تحقق الرضا الالهي، وتصل إلى المبتغى الرباني.. بعكس حالنا فنحن نسير وفق اجتهادات في الدين، والحكم الشرعي الذي لدينا يحقق «المعذرية» أكثر ما يؤكد الحقيقة، أي أننا في أي حراك حياتي نسير وفق أحكام ظنية، أقصى ما نحققه هو إننا معذورون أمام الله، اجتهد علماؤنا وهذا أقصى ما توصلوا إليه، ظنا منهم ان هذا هو الحكم الشرعي، أما الحكم الواقعي فعلمه عند الله. لذلك فتجد ان البعض يرى ان اجتهاده لا يخوله التعاطي بالسياسة، بينما الآخر يرى عكس ذلك.

والأمر الآخر إن المعصومين من الانبياء والأئمة انطلقوا في تعاطيهم السياسة من خلال كونه عملا دينيا محضا، بينما نحن ننطلق من كون العملية السياسة موضوعا خارجيا حياتيا دنيويا، من دخل غماره ربما حصل على الثواب من الله حسب نيته، ومن لم يدخل فذلك تكليفه الشرعي، وليس بالضرورة أن يكون هذا الأخير فاسقا كافرا، وليس بالضرورة ان يكون الأول نبيا معصوما، وان دخول الجنة والنار هي شأن المولى، كل حسب عمله، وحسب حساب الله له، ونحن لا نملك الحديث عن الإرادة الإلهية بمنطق وآلية الجزم.. بالتالي فما دام الموضوع دنيويا فلا ينبغي لأحد ان يزايد على الآخر بمسألة الدين، فإذا كان سياسيا وإذا لم يكن.

وإذا أتينا إلى لب المشكلة في التعاطي مع السياسة، نجد انه لم يأت لأن الإسلام يدعو للتعامل معها، أو لا يدعو، وإنما لأن هناك حكاما اعتادوا على التعامل مع الرأي الآخر بــ «حد الحرابة» والحديد والنار، والسجون والمعتقلات، والتهجير والتسفير والإذلال، خوفا على الكرسي، فالملك عقيم، وبالتالي فهناك دماء وقتل جعلت من الطرف الآخر يتحفظ عن التعامل مع السياسة، تجنبا لإراقة الدماء، فهو من ناحية لا يريد ان يحكم كي لا يقتل ولا يسجن، ومن ناحية أخرى لا يريد ان يعارض كي لا يُقتَل ولا يسجَن.. اما لو كان الحكام عادلين، ويتعاطون مع الرأي الآخر بكل عدالة وحرية واحترام فإن أحدا لن يقول بأن السياسة حرام..

والمؤلم في الأمر ان هناك من يؤمن بأن الدين يتعاطى مع السياسة، ولكن بطريقة التي تدعم النظام الظالم، وفي حال اضرّت هذا النظام فإن التعاطي معها حرام وحرام وحرام، مثل الذي أفتى بحرمة التظاهر السلمي، ومثله من حرّم التعامل مع السلطان تحت أي ظرف.

ورغم إني لا أجزم بأني أحطت بالموضوع كله، ولكن هناك عدة أمور اختم بها هذه الوقفة تجنبا للإطالة:

ــ منذ وفاة رسول الله ﷺ ظهرت مقولة: «حسبنا كتاب الله»، وسارت عدد من الحكومات بهذا الشعار، حتى ان بعض سلاطين الحكم زعموا لأنفسهم بأنهم خلفاء الله في الأرض، فتجد أسماءهم «المعتصم بالله، المتوكل على الله، الحاكم بأمر الله....... الخ» ولكن الذي حصل ان أحدا منهم لم يبلور نظرية، ولم يضع دستورا ذا بنود مأخوذا من النصوص الدينية، يلتزم به الجميع، لذلك تجد ان أصحاب هذه الأسماء ــ بقصد او بغير قصد ـ جاؤوا بسلوكيات تناقض الإسلام، وهي عندهم من كتاب الله. لأن النظرية لم تتم بلورتها على شكل بنود يتم التحاكم وفقها، وإنما بموجب نصوص، والنص حمّال ذو وجوه.

ــ إن هناك مخادعة كبيرة، انطلت علينا جميعا، وهي ان كل حديث أو حوار أو خطاب أو كتاب، يكون دينيا وإسلاميا، إذا احتوى كما هائلا من الروايات والآيات، بينما ليس بالضرورة ان قاريء القرآن أكثر بصيرة من مستمعه، وليس بالضرورة ان كتابا ليس فيه آية هو كتاب ضد الدين، وهو كتاب ليس دينيا.. لعلي هنا أورد شاهدا سمعته من احد أساتذتي حفظهم الله فقد أورد كتاب «كيف تكسب الأصدقاء» لمؤلفه دايل كارنيجي، الذي ليس فيه آية قرآنية واحدة، فمؤلفه أمريكي غير مسلم، وقال عنه بأنه اقرب إلى حقائق الإسلام من كتب عديدة محشودة بالآيات والروايات التي يمكن ان تكون غير محققة، وغير صحيحة، وفهمها ظني محتمل.. فربما يكون ذلك المتحدث باسم الإسلام هو اكبر ملحد.

ــ الإسلام دين أخلاقي مبدئي في كل شيء، دين العدالة في كل وقت، دين الحرية لكل أحد، تلك بعض الخطوط العامة لحكم الإسلام ولمعارضة الإسلام، فمن يزعم لنفسه ان يكون حاكما أو معارضا إسلاميا عليه ان يلزم نفسه بنصوص وبنود واضحة يضعها أكثرية من يريدهم الناس، وتلك هي البرلمانات ومجالس الشورى وأهل الحل والعقد.. ومن يعارض ويحمل اسم الإسلام أيضا ينبغي ان يلتزم بالخط الإسلامي، وهي ان المعارضة والحرب ضد أعداء الناس لا تعني القتل والنهب والإرهاب.. الإسلام دين السلام، وحروب رسول الله كلها دفاعية، ومعارضة عظماء الإسلام كلها سلمية، أبرزهم الحسين بن علي الذي أعلن معارضة سلمية، فجيّشوا له الجيوش فقضى مظلوما، يعد لعنة التاريخ ضد الظالمين.. ويؤكد حقيقة التفاني من اجل الكرامة والحرية.

أخيرا إني لأدعوا بأن يكتب دستور إسلامي، يكتب بطريقة «البنود» المعمول وفقها في العالم ككل، والإسلام ليس ضد التطور، ولا يمنع الاستفادة من التجارب البشرية، وكل شيء لا يخالف نصا صريحا في الإسلام فهو مباح، ضمن قاعدة «أصالة الإباحة».. حينها لن يقول أحد ان الدين شيء والسياسة شيء آخر، كما ان السياسة ليست شرا مطلقا.