آخر تحديث: 14 / 4 / 2021م - 1:31 ص

الاضطراب الاجتماعي

محمد أحمد التاروتي *

تواجه بعض الشرائح الاجتماعي حالة من التناقض والنزاع الداخلي، جراء الصراع الكبير بين التمسك بالقناعات الذاتية، ومحاولة مسايرة التحولات السريعة، الامر الذي يظهر على شكل انفعالات وتصرفات غير متوازنة، فتارة تتخذ من الرفض التام والقاطع للانسجام مع تلك التحولات المتسارعة مسلكا ثابتا، وتارة أخرى يكون بالانغماس غير الواعي، وأحيانا ”الطفولي“ مع تلك التحولات، الامر الذي يكشف هشاشة المرتكزات الفكرية، وعدم القدرة على التماسك، واظهار الضعف الداخلي.

التعاطي مع التحولات الاجتماعية المتسارعة، لا يتناقض مع القناعات، والمرتكزات الاجتماعية السائدة، خصوصا وان عملية التطور مطلوبة لمواكبة القفزات الكبرى في مختلف المستويات، مما يستدعي انتهاج سياسة ”التعقل“ في التعامل مع التحولات الكبرى، خصوصا وان الوقوف في وجه التيارات ليس مجديا في كثير من الأحيان، نظرا لامتلاك المجتمع لمختلف الوسائل القادرة، على إزالة جميع العراقيل من الطريق، مما يتطلب اتخاذ النظرة الواقعية، والتعامل بعقلانية، بهدف الاستفادة من التحولات الكبرى، بما يخدم البيئة الاجتماعية، ويحمي العقل الجمعي، من التأثيرات السلبية الناجمة عن التحولات غير المنسجمة، مع الثقافة الاجتماعية المتوارثة.

القفزات البهلوانية وغير المتوازنة، تشكل خطورة كبرى على المسيرة الاجتماعية، خصوصا وان عملية ركوب الموج تتطلب الكثير من التوازن لتفادي السقوط، ففقدان التوازن يشكل خطورة كبرى على الواقع الاجتماعي المعاش، وبالتالي فان محاولة اظهار الانسجام والتفاعل السريع مع التحولات الكبرى ليس مطلوبا على الدوام، فالعملية بحاجة الى الكثير من التأني، والمزيد من التفكير قبل الاقدام على الخطوات المتسارعة، لاسيما وان الخطوات المتهورة تجلب معها الكثير من المعاناة، والمزيد من الحسرات، فالعودة الى الوراء ليس متاحا في بعض الأحيان، مما يفرض انتهاج سياسة ”التعقل“، وتفادي اظهار الانبهار السريع.

التخلي عن القناعات الاجتماعية، مقابل بعض التحولات السريعة، ليس عيبا او ”بدعة“ كبرى، لاسيما وان مسايرة التطور والعمل على احداث قفزات حقيقية، في بنية التفكير الاجتماعي، عملية طبيعية وتنسجم مع الطبيعة البشرية الطامحة للرقي والتقدم، بيد ان عملية الاستجابة السريعة وغير الواعية، تترك اثارا كبرى على سلامة التركيبة الاجتماعية، مما يهدد بتفكك البينة الفكرية الداخلية، ودخول قناعات وثقافات، ليست قادرة على رفد العقل الجمعي، بالوقود اللازم لمواصلة مسيرة ”الالف ميل“، بمعنى اخر، فان المراجعة المستمرة للقناعات تفضي للتخلي عن بعض القناعات ”البالية“، او غير القادرة على مواكبة التطور، مما يفرض إعادة ”برمجتها“ بطريقة جديدة للتوافق مع التحولات المتسارعة، بيد ان هناك العديد من القناعات الاجتماعية ليست قابلة للتحول، سواء كانت تلك المبادئ عقدية او أخلاقية، او غيرها من الثقافات الاجتماعية الراسخة.

الدخول في صراع داخلي اجتماعي عملية طبيعية، خصوصا وان مستوى التفكير لدى الفرد يختلف من شخص لاخر، نظرا لتفاوت المستوى التعليمي، وكذلك اختلاف التجربة الحياتية، فضلا عن الاختلاف الكبير في مستوى النظر للحياة، مما يفسر التعامل الكبير من شخص لاخر، وكذلك تعدد النظر تلك بعض الاحداث، والتحولات الاجتماعية، وبالتالي فان محاولة تقريب وجهات النظر عملية ليست سهلة على الاطلاق، جراء تباعد مستوى التفكير لدى الافراد، فهناك اشخاص لا يجدون غضاضة في الاستجابة الطوعية، والسريعة للتحولات الكبيرة، فيما يتخذ اخرون الحيطة والحذر وسيلة للتعامل مع تلك التحولات الاجتماعية، انطلاقا من مخاوف بعضها مبرر والاخر غير مبرر، بيد احترام وجهات النظر عملية أساسية، لمنع التصادم الداخلي في البيئة الاجتماعية.

وضع اطار جامع لاحتواء الاختلاف، وتفادي الاضطراب الاجتماعي، يساعد في السيطرة على الوضع الاجتماعي، لاسيما وان تفهم الطبيعة البشرية المتلهفة للجديدة، يسهم في توجيه العقل الجمعي باتجاه ”الاحتواء“، عوضا من التصادم المباشر، نظرا لأهمية الانسجام التام لمختلف الشرائح الاجتماعية، ومنع منطق الاستعلاء الذي تحاول بعض الفئات استخدامه، الامر الذي يحافظ على التفكير الاجتماعي، من الدخول في حالة الضياع، وعدم الاستقرار، جراء طغيان الانفعالات غير المتوازنة، جراء التعامل مع التحولات السريعة، في جميع مناحي الحياة العامة.

كاتب صحفي