آخر تحديث: 22 / 6 / 2021م - 11:20 ص

صناعة العدو

محمد أحمد التاروتي *

سياسة صناعة الأعداء منهجية مألوفة وغير مستغربة، باعتبارها جزءا أصيلا لاطالة السيطرة على العقل الجمعي، لاسيما وان اشغال البيئة الاجتماعية بالخطر الخارجي، يوفر المناخ المثالي لاطلاق اليد، لاتخاذ مختلف الخطوات الاستثنائية، وغير المقبولة، تحت مبررات بعضها واقعي والبعض الاخر غير واقعي، الامر الذي يكرس الحالات الطارئة على الواقع الاجتماعي ويسلب التفكير الجمعي من القدرة على التحرر، او التفكير في إعادة ترتيب الأوضاع، بما ينسجم مع التطلعات والامال، للخروج من عالم معاش الى عالم اكثر رحابة ”يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ“.

عملية صناعة العدو تتطلب الكثير من الجهد، والمزيد من العمل، خصوصا وان العقل الجمعي يرفض الاتهامات الواهية وغير المستندة للدلائل، مما يستدعي توظيف جميع الإمكانيات في سبيل جميع المعلومات وتقديم البراهين، لدعم تلك الاتهامات بما يحقق الهدف المنشود، خصوصا وان عملية السيطرة على العقل الجمعي ليست سهلة في الغالب، نظرا لوجود مبررات كثيرة جراء رفض سياسة ”صناعة العدو“، سواء نتيجة الخشية من التداعيات المستقبلية من التصادم مع العدو، او نتيجة الادراك المسبق لأغراض تلك السياسة التصادمية، على مستقبل البيئة الاجتماعية.

اختيار العدو ينطلق من أغراض عديدة، بعضها سياسي، والبعض الاخر اقتصادي، والثالث اجتماعي، فكل عنصر من العناصر المذكورة يستدعي انتهاج اليات، وسياسات محددة، لتحقيق النجاح على الاطار الاجتماعي، خصوصا وان الظروف السياسية متغيرة وغير ثابتة، مما يستدعي انتهاج سياسة واضحة، لاحداث نفور جمعي تجاه ”العدو“، نظرا لامكانية انتفاء الخلافات السياسية، وعودة المياه الى مجاريها، الامر الذي يضع أصحاب سياسة ”صناعة العدو“ في موقف صعب، وغير مقبول على الاطلاق، بالإضافة لذلك فان الحروب الاقتصادية واختلاف المصالح، والمناوشات على تقاسم مناطق النفوذ، تشكل احدى العوامل الأساسية وراء اختلاف العدو الاقتصادي، خصوصا وان الخشية من اتساع الفجوة في الميزان التجاري، يلعب دورا أساسيا في اطلاق حرب شعواء، لتكريس العدو في العقل الجمعي، بهدف احداث حالة من العداء والنفور الكبير، الامر الذي يسهم في خلق الظروف المؤاتية، للسيطرة على الوضع الداخلي، واستكمال حلقات إبقاء الوضع القائم.

تجاوب الطرف الاخر، والتحرك بالاتجاه المضاد، احدى النقاط الأساسية في تكريس العدو في الواقع الاجتماعي، خصوصا وان الحرب المضادة تولد حالة من الخصومة الداخلية، لاسيما وان بعض الشرائح الاجتماعي تنظر الى الحروب المضادة، كنوع من العداء المتجذر في ثقافة احد الأطراف، فيما تتجاهل مبدأ ”ردوا الحجر من حيث اتى“، الامر الذي يفسر الاستجابة السريعة للماكنة الإعلامية المركزة تجاه ”شيطنة العدو“، بحيث يتجلى في رفض جميع دعوات السلام التي يطلقها، او يحاول اظهارها بين فترة أخرى، نظرا لوجود مسبقات ثقافية ترفض تصديق تلك الدعوات، وذلك نتيجة التنويم المغناطيسي الممارس على البيئة الاجتماعية، وبالتالي فان عملية الاستجابة غير الواعية، سلاح يستخدم للدلالة على وجود نوايا خبيثة، وغير صادقة، الامر الذي يستغلها أصحاب ”صناعة العدو“ بطريقة ذكية لاثارة الرأي العام، والعمل تكريس حالة العداء في العقل الجمعي.

صناعة العدو لا تقتصر على الأطراف الخارجية، فهي تشمل جميع العناصر التي تشكل تهديدا مباشرا او غير مباشر على المصالح الخاصة، مما يفرض اتخاذ خطوات استباقية، للحيلولة من الاقتراب من النفوذ الاجتماعي، من خلال زرع بذور الشك والريبة في كل خطوة يتخذها الطرف المقابل، الامر الذي يستدعي رصد جميع التحركات، وإخراجها من السياق الطبيعي، انظلاقا من قاعدة ”اكذب ثم اكذب“، لاسيما وان عملية صناعة العدو تبرر استخدام جميع الوسائل المشروعة وغير المشروعة، بهدف تحقيق الأغراض المرسومة، ومنع كافة التحركات الساعية، لكشف الحقائق على الأرض.

بكلمة فان صناعة العدو سلاح ذو حدين، فالنجاح ليس مضمونا في جميع الحالات، لاسيما وان القاعدة الاجتماعية ليست سلعة قابلة للبيع والشراء على الدوام، مما يستدعي وضع كافة الاحتمالات في الاعتبار، فالرفض الاجتماعي يشكل خطورة على فشل هذه السياسة، لاسيما وان المجتمع بامكانه اكتشاف زيف تلك الادعاءات، مما يشكل عقبة في الاستجابة الطوعية، واتخاذ خطوات تصالحية مع العدو ”المفترض“، وبالتالي ضياع جميع الخطط، وفقدان السيطرة على العقل الجمعي، جراء انتهاج سياسة غير مدروسة النتائج

كاتب صحفي