آخر تحديث: 7 / 3 / 2021م - 8:34 م

في الثقافة والتراث

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

الثقافة والتراث، مفهومان، كثيراً ما نستخدمهما، بمعنى واحد؛ وذلك يعود إلى التقارب والتداخل في كثير من الجوانب، وهو ما يجعل التمييز بينهما أمراً صعباً، على الرغم من أن التدقيق بين المفهومين، يشير إلى اختلاف وظائفهما؛ وهو ما يهدف هذا الحديث لتسليط النظر حوله؟

فالتراث يُعنى بعادات الناس وتقاليدهم، التي تناقلونها على مر التاريخ، جيلاً بعد جيل؛ ومن ضمنها الثقافة والفنون. وحين نقول بالتراث العربي، من غير تحديد، فإننا نشير للتراث الذي تشكل بالتزامن مع الوجود العربي، واستقر حاضراً حتى يومنا هذا، عبر محطات طويلة ولآلاف السنين، ولا نتحدث عن حقبة بعينها، والتراث هو الجامع الشامل لكل مورثات الأمة، بجوانبها الإيجابية والسلبية. ومن هنا يجري الحديث على ما ينبغي انتقاؤه منه، وما يجب تجاوزه منه لكونه يعد معوقاً للتقدم والنهوض. إذاً فالتراث، بهذا المعنى سابق على الثقافة، وأشمل منها وهي جزء من محتواه.

الثقافة، كما تعرفها الموسوعة العربية العالمية، تشير إلى طريقة الحياة الكلية لشعب من الشعوب، وإلى ضروب النشاطات الإنسانية، في ميادين الفن والأدب والموسيقى، ومن هنا حالة الارتباك بين مفهومي التراث والثقافة.

علم الاجتماع، يسعفنا في التمييز بين المفهومين، بتحديده وظيفة الثقافة، في أنها تشير إلى ما يصنع ويبدع في الأشياء والأفكار، وليس من شرطها أن تكون جزءاً من الموروث. في هذا السياق، يرى عالم الأنثروبولوجيا البريطاني، إدوارد تايلور أن الثقافة هي ذلك الكل المعقد، الذي يشتمل على المعرفة، والعقيدة والفن والأخلاق والقانون والتقاليد، وما إلى ذلك من القدرات والعادات التي يكتسبها الإنسان؛ من حيث هو عضو في مجتمع.

وفيما يتعلق بنشوء الثقافة المعاصرة بالوطن العربي، تشير الباحثة سوزان كساب في كتابها «الفكر العربي المعاصر - دراسة في تاريخ النقد الثقافي المقارن»، الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية أن الجدل بشأن الثقافة، يعود إلى منتصف القرن التاسع عشر، حين بدأت السلطنة العثمانية تفقد السيطرة على الكثير من ممتلكاتها من الأراضي، لمصلحة حركات وطنية، في اليونان وبلدان البلقان.

لقد وصلت أصداء تراجع مناطق النفوذ في السلطنة العثمانية، إلى المدن العربية مثل دمشق وبيروت والقاهرة وتونس. وقد جاء التدخل الفرنسي في مصر، ليؤكد لأبنائها أن أفول السلطة العثمانية، بات مسألة وقت. وليعزز ثقافة الحداثة، ولتتحول القاهرة لاحقاً، إلى معقل النهضة العربية المعاصرة.

وهكذا فإن التعامل مع الثقافة، هو تعامل على الأغلب مع الراهن، وإن كان الموروث يلقي بكلكله عليه، ويمنع تطوره، وتقدمه. التفاعل الخلاق العميق مع الحراك الإنساني العالمي الدائر من حولنا، من شأنه أن يخفف من قيود التراث، ويفك الثقافة العربية من الأسر.

ليس ذلك فحسب؛ بل إن من شأن تطور الثقافة، أن يسهم في إعادة النظر في كثير من عناصر التراث، فلا يختزله فيما هو مقدس فقط، أو فيما تراكم من معتقدات لا تتسق مع الحاضر؛ بل تنطلق، كما أشرنا في حديث سابق، من رؤية أشمل وأعمق للمفهوم، تضعه في سياق الحراك التاريخي للأفكار والمعتقدات، والتقاليد والفلكلور والفنون والآداب؛ لأنها جميعاً نتاج تفاعلات ذاتية وموضوعية، وتلاقح مع تيارات محيطة ووافدة.

لا بد من امتلاك الشجاعة، للقطع مع عوامل النكوص والتخلف، وإنهاء حالة انفصام الشخصية لدى الإنسان العربي الجديد، واستخدام ما هو إيجابي ومحرض على الخلق والإبداع في إرثنا وتاريخنا، وهو كثير. فتاريخ الشعوب، ومن ضمنه موروثها، هو مخزونها الحضاري، الذي لا ينضب، وليس من أمة حية ليس لها تاريخ تليد ولا إرث. والإرث يمكن أن يكون ذخيرة وعوناً ومدداً في مواجهة قوى الهيمنة، وقوة في بناء النهضة الجديدة، ويمكن كما هو الحال الآن، أن يكون معيقاً عن النهوض والسير إلى الأمام.

إن مشروعاً كهذا، ليس عملاً سهلاً، فالتراث ليس مادة جامدة يمكن التصرف بها كيفما نشاء؛ بل هو عادات وتقاليد وأخلاق وحقوق، وفنون وعقائد وفكر، عشعشت ولقرون طويلة في النفس، ولكنها بالتأكيد معركة لا مناص من خوض غمارها؛ لأن ذلك سبيلنا إلى النهضة والتقدم، وبناء إنسان جديد، قادر على التماهي مع الثورات العلمية التي تجري من حولنا، وتسير بأقوى من البرق، ينبغي لكي نكون جديرين بالحياة، أن نفهم حضارة العصر، ونملك القدرة على استشراف المستقبل، وتقييم التحديات والتماهي مع روحي العصر، والتقدم نحو بناء النهضة من غير خوف أو وجل.