آخر تحديث: 11 / 8 / 2020م - 9:48 ص  بتوقيت مكة المكرمة

بين حفل التسنن، وجلد النساء.. أين حرية الإعتقاد والتعدد..!

الدكتور محمد المسعود

صورتان...! ترجعان الروح الوطنية للمربع الأول، وتتمردان على دعوة - الملك الصالح - الملك عبد الله بن عبد العزيز سلمه الله. في التعايش، والوحدة الوطنية مع التنوع، والتعدد.

الصورة الأولى: ثمان جلدات لجسد مسلمة - تنتمي لمذهب أهل البيت - ، لكونها صدرت رسالة وت ساب - واحدة - بالخطأ لزميلة سنية، ولم يدفع العقوبة عنها، الخطأ في المرسل إليه، ولا كونها لمرة واحدة، ولا تنصلها من العمدية والقصد، فيما رميت بها - من نشر التشيع - وإرادته، لكون مضمون الرسالة لا يساعد على هذا الفهم، - حكم فقهي - ولكون القصد والنية، غيب صرف لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى. وحيث العقاب على القصد والنية غير جائز.

كما أن إرسال رسالة واحدة من رقم جوال لا تبرر التعزير الشرعي وهي بمضمون ديني ولو كانت على مذهب مخالف. بل لو كانت على النصرانية واليهودية لما جاز العقوبة عليها فكيف وهي مواطنة تحمل عز وطنها سعودية، تنتمي لمذهب تقرر الدولة أنه محترم ومعترف به. وهذه صورة غريبة، تأتي خارج إطارها في الزمن، والظرف، والسياسة العليا للدولة، ولرسالة خادم الحرمين الشريفين. سيما وأن - الجلد - يصفه أبن القيم رحمه - بالإذلال الذي لا ينبغي أن يحكم به إلا بسبب معتبر شرعا، وبيقين تام غير ناقص.

الصورة الثانية: رجل من أهالي صفوى - يتسنن -، ورغم كراهيتي الشديدة لهذه التصنيفات، التي تسقط علينا أسماء غير أسم وطننا الجامع الموحد، إلا أني أجد نفسي مكرها على استعمالها لبيان «المفارقة البغيضة» بين الصورتين.

قناة وصال تفرد له لقاء كاملا، وتكتب على المقطع «المهتدي» أي جاء من ضلال، ومن أمة ضالة، ومن عقيدة فاسدة في ضلالها، ويبدأ الرجل - الذي نحترم أختياره لنفسه، ونحترم حرية ما يعتقده صواب، وما هو سبيل إلى خلاصه بين يدي الله عز وجل، إذ أن القاعدة العامة «لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي». إلا أن كلام الرجل، تدحرج إلى تهوين غيره، بشكل غير مبرر، كما أن أستعراض حكم الوضوء لا يستوجب البكاء، وأن التحول من مذهب إلى مذهب لا يعني.. أن يدخل المسلم بيت الله وكأنه يدخله أول مرة، وكأنه خرج من أوثان الجاهلية وعبادة الأصنام.

هناك ثمان جلدات على جسد مسلمة، لرسالة دينية واحدة!! وهنا أستعراض بوصفه هداية من الضلال إلى النور، ومن الهلاك الأخروي الحتمي إلى الخلاص مع الفرقة الناجية، ومع زفة البكاء والرغبة المستمرة فيه طيلة اللقاء.. حتى عند الحديث عن الفتحة والضمة في أية الوضوء من كتاب الله..!. وإن هذا لا يخدم حتى الغرض التسويقي للحلقة ذاتها، ولا يخدم إمكانية التأثير في أحد إن هذه الصورة توحي بوجود عدم توازن في مكان ما..! بخلاف لو جعلوا الحلقة تتحرك من منطلقات التسامح وحرية الإختيار والإصطفاء.. أي الحركة من المفضول إلى الفاضل.

لو أقام شيعي على مواطن سني دعوى، محاولة تسنن!! هل سينظرها القضاء، أم سيعرض عنها؟ من الطبيعي أن يعرض عنها لكون القضاء يعتبر هذا سلوك خير في الدعوة إلى الحق؟ ومن مصاديق الأمر بالمعروف..! لكون هذا هو حقيقة نظرتها العقدية والفقهية، وهذا ليس مشكلة، ولكن المعضلة أن تعتبر ثلاثة ملايين مواطن «منكر بغيض» والمعضلة الأكبر، أن تحكم على نساءهم بالجلد لمجرد رسالة وت ساب خرجت من جوال أحداهن؟؟.

لا أجد في هذا، إلا خروجا عن روحنا الوطنية الجامعة، ولا أجد في هذا الذي صدر إلا تصرفات فردية، لا ينبغي أن نعتبرها تمثيلا للدولة، ولا صورة عن إرادة الجميع. بل هي رؤية فكرية تم إستيرادها من عقل ينكر على غيره الحق في أن يختلف أو يتناقض معه.

في الصورتين تسليم بكون المجموع الشيعي يتصف بضلال مفروغ منه، بل هو ضلال يعاقب صاحبه عليه، إن صدرت منه رسالة خطأ. إذ من يملك القدرة على إثبات العمدية في إرسال رسالة جوال!

كما يمثل خروجا عن السطر، لمسيرة القضاة الفضلاء، النقية قلوبهم من الطائفية، والتعصب، الذين تعاقبوا على هذه الرسالة السامية في هذه المنطقة، والذين عالجوا عشرات القضايا المعقدة في هذا الإختلاف الشائك بالحكمة، والبصيرة، والحرص على الإنصاف. وعدم التسبب في تأزيم الحياة المشتركة للمواطنين.

مما يتعين على بعض القضاة الجدد قراءة سيرة القضاء في هذه المنطقة، وأن يكونوا خير خلف لخير سلف، ويستدعي أيضا التدخل العاجل والفوري من وزارة العدل، في النظر فيمن يتم تعيينه لهذه المنطقة كقاضي، والتأمل في الميول الفكرية، والقدرة على تقبل الأخر المختلف من عدم القدرة عليه، إذ لا يجوز أن نفرض عدم الثقة بين الشيعة والسنة في محيطهم المشترك، والثابت اليوم أن المشروع العالمي للتقسيم يقوم في اللبنة الأولى له، على سوء ظن الأقليات تجاه محيطها الأكبر، وتباعد روح المحبة، ومحاربة الذوبان في الوحدة الوطنية الجامعة بعيدا عن الفروقات العقائدية أو العرقية أو القبلية.

وأحسب أن أمثال هذه الصور، هي جزء أساسي وحقيقي من المشكلة الدائمة، الشحن النفسي ’ تجاه العدل وضمير القضاء فيه والتهوين النفسي المستمر والدائم للأقليات الشيعية، بما يفرض عليها الشعور بالعزلة وترسيخ عقدة الإضهاد..

سيدي يا خادم الحرمين الشريفين.. دام ظلك الوارف.

متى يبلغ البنيان تمامه... إذا كنت تبني وغيرك يهدم؟!

إنك يا سيدي تقرأ على العالم تراتيل وحدة الروح الإنسانية الجامعة في حوار الأديان.. ولا زال قومك.. يجلدوا النساء على ظهورهن ثمان جلدات.. لأن رسالة تحركت من هذه الجهة إلى تلك الجهة.. ما أعظم أجرك عند الله.. وما أعظم صبرنا معك.. على مسيرة الصلاح والإصلاح.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
باسم ابوعبدالله
[ المملكة ]: 12 / 4 / 2013م - 2:49 م
مقال رائع وقلم حر وفكر ناضج وأدب جم
بوركت وبورك قلمك دكتورنا العزيز
2
سكون الوقت
[ Saudi ]: 12 / 4 / 2013م - 4:00 م
😔 كم نتمنى والاماني لاحرج عليها😒 ان نرتقي ونكتفي من هذه الرجعيه الى متى ومحور احاديثنا الطائفيه هذه تجلد وهذا يُعظم اهكذا اسلامانا 😔 موضوع اطلنا الوقوف عنده ولانعلم متى سينتهي .. بوركت دكتور محمد مواضيعك جدا متميزه وتستحق النظر اليها والتمعن فيها