آخر تحديث: 16 / 5 / 2021م - 1:43 ص

محراب العاشقين

ورد عن أمير المؤمنين : لو يعلم المصلي مايغشاه من جلال الله، ما سره أن يرفع رأسه من سجوده» «الخصال ج 2 ص 632».

من الدروس المهمة لتحصيل مقام الخشوع في الصلاة هو معرفة قيمة الوقوف بين يدي الله عز وجل وآداب الخطاب معه، إذ أن الصلاة ذات أسرار ومضامين عالية تقف خلف حركات وأفعال الصلاة، ومتى ما استشعر العبد مدلولاتها عاش تلك الأجواء الروحية التي تسمو في عالمها الأرواح النقية، وترتقي نحو معالي الصفات الأخلاقية والتي يقع في مقدمتها الورع عن محارم الله تعالى وتنزيه النفس عن الرذائل والعيوب.

ولذا يؤكد أمير المؤمنين على معرفة مقام القرب من الله تعالى وما يهبه تعالى لعبده من نفحات سنية يستزرعها في نفسه مما يعلي شأنها ومكانتها، فالاتصال بالنور الرباني يشكل شخصية العبد في منطقه وسلوكه، فكلما تقدم خطوة في طريق الأنس بذكر الله تعالى استحصل على ومضة معرفية جديدة تجلببه بالوعي والاستقامة، فحركات المصلي وراءها حقيقة السير في عالم المعرفة وطلب السمو الروحي بعيدا عن التفكير السطحي في حطام الدنيا الزائل والذي يعد مضيعة للوقت، فالشيطان الرجيم يجد مرتعه ومضماره الذي يحسن العدو والمراوغة فيه إشغال المصلي عن الحقائق الباطنية للصلاة وإفراغها من محتواها التكاملي؛ ليبقى من يغفل قلبه عن أهمية الصلاة رهينا لصورتها الظاهرية التي لا تؤثر إيجابا فيه، ولا يجني منها ثمار الخشوع والإقرار بالعبودية للواحد القهار.

ترى أي مقام ذاك الذي يصل لمحضره المصلي فتغدو نفسه آنسة بذكر الله تعالى وتتشوق لطول الزمن حيث لا يفرغ صاحبها من صلاته؟

ولماذا الكثير منا يحسب الدقائق مترقبا لانتهائه من الصلاة ومعاودة برنامجه الكتعاطي مع ماديات الحياة؟

فهل احتسبنا تلك المسافة الفاصلة بين مضمون السرور والسعادة بالتنقل بين جنبات الصلاة المزهرة، وما بين فقداننا لهذا الإحساس الجميل والذي استبدلناه بالملل وتحويل الصلاة لروتين وعادة؟

طوبى للمترقبين لموعد اللقاء مع الله تعالى مستعدين لمناجاته بما يليق بوجهه الكريم، قد عرفوا مكانة هذا المقام وما يستوجبه من قابليات النزاهة والطهارة النفسية والعفة والاستقامة في الجوارح.

ما يحذوه نحو محراب الطاعة وترقب ساعات الأذان هو ما يحمله في قلبه من شوق للاستظلال بالطمأنينة والأنس والراحة النفسية بذكر الله سبحانه وتعالى، فالتنقل بين أفعال الصلاة يقترن بنشاط روحي ووجداني بمضامين القراءة والركوع والسجود، وهذا ما يؤكد على أهمية حضور القلب في الصلاة وعدم الانشغال بحطام الدنيا الزائل، فذاك ما يفقد العبادية روحها ولبها، ويحولها إلى مجرد حركات ظاهرية عديمة الجدوى في طريق التقوى والتكامل النقسي.

والطريق لتحصيل مقام الترقب والشوق لمحراب الصلاة هو وضعها في خانة الأهمية القصوى التي تستحقها من وقتنا، والتهيؤ قبل الورود لها باستذكار عظمة من نقف بين يديه متخلين عن التفكير السطحي بهموم الدنيا، ومما يسعف النفس على التهيؤ للصلاة القراءة المتمعنة والتأمل الواعي بأحوال النبي ﷺ والمعصومين والعلماء الصالحين والذين كانوا ينشجون بالبكاء مناجاتهم وصلاتهم.