آخر تحديث: 27 / 1 / 2022م - 6:15 م

مرضنا العُضال

جهاد هاشم الهاشم

السواد الأعظم من الناس يعتقد أن أكبر الأمراض التي يعاني منها البشر في وقتنا الحاضر هي الأمراض الصحية المنتشرة والمتعارف عليها طبيًا، وهي كثيرة للأسف ونذكر منها على سبيل المثال مرض السكر ومرض السرطان وغيرها أجارنا الله وإياكم من كل سوء.

ولكن في واقع الأمر أن أكبر الأمراض التي يشتكي منها فئة من الناس ليست بالقليلة في هذا الوقت، هو مرض القلق والخوف من المجهول، وهو مشكلة العصر ومحنة الإنسان في عالم اليوم، وأشدّ أمراض البشرية خطراً على سعادة الفرد والجماعة، الذي يؤرّق نفسيتك فلا تنام، كما يربك تفكيرك فلا تستطيع تنظيم أفكارك أو التصرّف بحكمة وانضباط، فلا تشعر بالراحة والاستقرار. فهو الذي يشدّ أعصابك فيتركك متشائماً متوتراً تنزعج لأتفه الأسباب، ويملأ حياتك سأماً ومرارة فينغّص عليك عيشك، ولا تتلذذ بنعيم الحياة. ولا يكتفي بكونه مرضاً نفسياً يذهب بصحّتك النفسية، بل يتحوّل إلى مرض عضوي يربك أجهزة الجسم وأعضاء البدن.

وأحيانًا تكون المعاناة من القلق جزءًا طبيعيًّا من الحياة. ومع ذلك، فإنَّ الأفراد الذين يعانون من اضطرابات القلق غالبًا ما يكون لديهم مخاوف بشكل مفرط ودائم من المواقف والأحداث اليومية. مثل القلق من الرزق وكذلك الخوف من الغربة والبعد عن الوطن والأسرة، وما يتعلق بها من متاعب نفسية، وأيضا الخوف على الأبناء من حيث مستقبلهم  وفي كثير من الأحيان، تتضمن اضطرابات القلق نوبات متكررة من المشاعر المفاجئة للقلق الشديد والخوف أو الرعب، وتصل إلى ذروتها من الكآبة والإحباط، لذا يعد القلق من أكبر الأمراض التي يعاني منها كثر من بني البشر وخصوصا في وقتنا هذا.

إذا السؤال الذي يفرض نفسه هنا في هذا المضمار ما هو العلاج لهكذا أمراض؟ وكيف لنا التخلص من هذا الشبح المرعب؟ لكي نعيش بهدوء واستقرار وطمأنينة. الجواب جاء في قوله تعالى: ﴿الذين ءَامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ. «الرعد الآية 28». وقال تعالى: ﴿قُل لَّن يصيبنا إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَىٰنَا ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ. «التوبة الآية 51».

بمعنى على المؤمنين أن يفوضوا جميع أمورهم لخالقهم هو من يدبر الأمر، فالأمر كله له تبارك وتعالى. ويجب النظر لكل ما يتعلق بشؤوننا الحياتية بنظرة كلها إيمان بالله وثقة عالية وطمأنينة وهدوءا نفسيا، وأن نمضي قدما بخطى ثابته راسخة مؤمنة بأن الله تبارك وتعالى هو من بيده نواهي الأمور ومفاتيح التوفيق، وهو يقبل على العباد بمدى إقبالهم عليه، فكلما أقبل المؤمن بقلب صادق صافٍ من كل الشوائب التي قد يصاب بها وخصوصا في هذا الزمان الذي كثر فيه عمل الشبهات والانجرار بشكل مخيف نحو الأخطاء المنافية لمنطق العقل والأخلاق والمبادئ والقيم البشرية التي أوضحها ديننا المقدس، كلما اقتربنا من الفوز بوعد الخالق والوصول للسعادة الأبدية.

إذا لا سبيل لنا إلا بالاتكال على الله سبحانه وتعالى وأن نعتقد جازمين متى ما استطعنا الارتباط بخالقنا استطعنا الوصول لتحقيق الاستقرار النفسي والاجتماعي.

قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ. «سورة غافر الآية 13».

إذا فلا حلول تلوح في الأفق للتخلص من القلق والاكتئاب إلا بالثقة المطلقة واليقين الراسخ بالله جل في علاه، والتقرب منه بالدعاء والتوسل والإلحاح في ذلك الأمر ما أمكن؛ لأن الله سبحانه وتعالى يحب أن يرى عبده يلح عليه بالدعاء والتقرب منه قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ. «البقرة الآية 186».

كما يوجد من الطاعات الشيء الكثير وهي من الوسائل الفاعلة نحو بناء علاقة متينة قوية بالله عزه وجل، فهي تجعل المؤمن يشعر بالراحة والاطمئنان، ويتعاظم إيمانه بأن الله سبحانه وتعالى معه في كافة المحن، والصعاب والشدائد التي قد تواجهه في مسيرة حياته، فالتقرب من الله سبحانه وتعالى له لذة رائعة لا يشعر بها إلا من أنعم الله عز وجل عليه بها، ناهيك عن هذا السلوك الإيماني أي التقرب من الله له ثواب وأجر عظيم في الدنيا والآخرة فهو سبب في الفوز برضاه تبارك وتعالى  وكسب مننه وعطاياه، أما في الدنيا يعتبر التقرب من الله سبب في زيادة الرزق وقوة الجسد، وإعانة المؤمن على الالتزام بالفرائض، والعبادات، والطاعات التي أمرنا الله بالتمسك بها، وهذا ما يسهم في تنظيم سلوكه، ويجعله يحسن التعامل مع من حوله، وهذا ما يجعله يمتلك سمعة طيبة، ويكسبه محبة، واحترام من حوله، وينعكس ذلك بالقبول الحسن على حالته النفسية، ويعزز قدرته على النجاح، وتحقيق أهدافه المنشودة، وخصوصا إن علمنا وأدركنا أننا في هذه الدنيا الفانية مجرد أرواح عابرة وأننا حتما راحلون، فمتى ما استوعبنا حقيقة هذا الأمر وأنه آتٍ لا محال؛ فسنعلم ونتيقن أن تلك الحياة لا تستحق منا ذلك القلق، وأن نحمل أنفسنا مالا طاقة لنا به وبالتالي من باب أولى أن ننشغل بما هو أهم وأن نقلع تماما عن توافه أقحمنا ذواتنا بها، لنظفر بالسعادة الأبدية، فكلما عرف الإنسان حقيقة الأمر، كلما أصبح فردًا نافعًا فاعلاً مندمجاً ومتوازنًا ذا أثر إيجابي مع منظومة المجتمع الذي يعيش فيه.