آخر تحديث: 14 / 5 / 2021م - 11:47 م

ثقافة البناء

محمد أحمد التاروتي *

عملية التحول الثقافي في المنظومة الاجتماعية، مرتبطة بالممارسات الحياتية، والمفاهيم السائدة، بحيث تبدأ عمليات التحول التدريجي في التغلغل لدى الافراد، من خلال المشاريع الاجتماعية والمبادرات المجتمعية، خصوصا وان الثقافة المجتمعية لصيقة بالكثير من التفاعلات الاجتماعية، بحيث تقود الى ترسيخ مفاهيم عامة في مختلف المجالات الحياتية، الامر الذي ينعكس على طريقة التفكير، والاليات المتبعة لترجمتها على ارض الواقع.

الخروج من مأزق الثقافة الطاردة، والمفاهيم الهدامة، عملية أساسية للدخول في ميدان بناء المنظومة الثقافية للفرد، لاسيما وان الالتصاق والتقوقع في دائرة المفاهيم التدميرية، و”الانانية“، واعتماد مبدأ ”انا ومن بعدي الطوفان“، يسهم في تدمير التفكير الفردي أولا، والجمعي ثانيا، خصوصا وان سريان هذه الثقافة في جسد المجتمع، يفضي الى الى اعتماد اللامبالاة، وتكريس ”فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ“، مما يحرم البيئة الاجتماعية من ثقافة البناء، ويعمل على تكريس الروح السلبية في المنظومة الثقافية، لدى العديد من الشرائح الاجتماعية، الامر الذي يحد من القدرة على النهوض، وشياع ظاهرة التهرب، واعتماد الفكري ”الاناني“، في مختلف القضايا الاجتماعية.

العمل على إرساء قواعد الثقافة الجاذبة في الممارسات اليومية، يتجلي في اطلاق المبادرات الاجتماعية العديدة، سواء ذات الأثر على التفكير الفردي، او المتعلقة بالاثر الاجتماعي، فهذه النوعية من المبادرات تستهدف وضع مبادئ أخلاقية، في طريقة التفكير الفردي، مما يسهم في نشرها بشكل تدريجي في البناء الاجتماعي، الامر الذي يجعلها جزءا أساسيا في التفكير الاجتماعي على المدى البعيد، خصوصا وان النظرة الإيجابية للمبادرات مرتبطة بطريقة عرضها، وكذلك بالاليات المتبعة في تطبيقها، بمعنى اخر، فان اطلاق المبادرات عملية أساسية وضرورة لتوجيه الثقافة الاجتماعية باتجاه البناء، ولكنها ليست كافية لتكريسها في الواقع الاجتماعي، الامر الذي يستدعي البحث عن الوسائل القادرة على اظهارها بالطريقة ”المحببة“ والجاذبة، بهدف استقطاب مختلف الشرائح الاجتماعية، مما يجعل التفاعل مع المبادرات الاجتماعية جزءا اصيلا من التفكير الجمعي.

القدرة على التحشيد واظهار الجوانب الإيجابية، من المبادرات الاجتماعية، عملية أساسية لاستقطاب الكثير من الفئات الاجتماعية، لاسيما وان الفشل في ابراز الجوانب المضيئة من المبادرات، ينعكس سلبيا على نشر ثقافة البناء في الفكر الاجتماعي، بحيث يؤثر على مختلف المبادرات المستقبلية، جراء النظرة السلبية وعدم التفاعل المطلوب، نتيجة انعدام المنظومة الثقافية القادرة على احتضان، مثل هذه المبادرات الاجتماعية، وبالتالي فان التفكير المنهجي لنشر ثقافة البناء، يعطي النتائج الإيجابية في مختلف الشرائح العمرية للمجتمع، لاسيما وان التفكير السطحي القائم على استقطاب بعض الفئات دون غيرها، يعرقل استراتيجية ”ثقافة البناء“، جراء قصر التفاعل على فئات محدودة دون أخرى، مما يخلق حالة مشكلة اجتماعية حقيقية، جراء الافتقار في التوازن في التفكير بين الفئات الاجتماعية.

التفاعل الكبير مع المبادرات الاجتماعية، يعكس تنامي ثقافة البناء لدى المجتمع، فيما العزوف وعدم الاستجابة مع المبادرات، يكشف انعدام هذه الثقافة الاجتماعية، فالعملية مرهونة بالقدرة على ترويج تلك المبادرات لدى الشرائح الاجتماعية أولا، والقدرة على اختراق المنظومة الفكرية لدى الافراد ثانيا، وبالتالي فان محاولة التحرك بشكل متوازن في عملية الاستقطاب، يسهم في تحقيق النتائج الطيبة لدى مختلف الشرائح الاجتماعية، خصوصا وان التركيز على ترويج على المبادرات دون الالتفات الى التأثير على المنظومة الثقافية، يعطي نتائج محدودة وأحيانا يقود الى الفشل في الوصول الى الأهداف المرجوة، مما يستدعي التحرك الهادف، وعدم الاكتفاء بالنجاحات المؤقتة، لاسيما وان عملية البناء الثقافي تتحرك لارساء قواعد قادرة على الصمود لسنوات قادمة، من خلال توريثها للأجيال بطريقة سلسة وغير اجبارية، نظرا لتحولها الى ممارسة يومية، باعتبارها جزء اصيل من الثقافة المجتمعية.

ثقافة البناء عملية أساسية لتطوير المنظومة الثقافة الاجتماعية، باعتبارها المحرك باتجاه التفاعل الكبير مع مختلف المشاريع الإيجابية، الامر الذي ينعكس على طرد مختلف اشكال الثقافات التدميرية، الساعية لتكريس الواقع المظلم في العقل الجمعي، وبالتالي فان ثقافة البناء قادرة على وضع البيئة الاجتماعية، في المسار السليم نحو الارتقاء، والتقدم عبر التفاعل الإيجابي، والعمل على ابراز الجوانب المضيئة، وطمس المحاولات الساعية لاعلاء شأن الثقافة الانهزامية بمختلف اشكالها.

كاتب صحفي