آخر تحديث: 13 / 12 / 2019م - 1:00 ص  بتوقيت مكة المكرمة

استعراض كتيب الانفتاح نهج المعرفة والتعايش

حسين نوح المشامع

المؤلف: مراد غريبي مراد

الطبعة: الأولى سنة 2013م

السيرة الذاتية: المؤلف باحث وكاتب إسلامي جزائري، ولد سنة 1978م بمستغانم، مهندس مدني يحضر للحصول على الماجستير في الإعلام والاتصالات، صدر له كتاب بعنوان «تأملات إسلامية من وحي التفكر».

يحتوي الكتيب على إهداء، وفي البدء كانت فكرة، وتمهيد وأربعة أبواب وخاتمة وقائمتان للمصادر والمحتويات.

جاء في الإهداء الموجه إلى الشيخ حسن موسى الصفار: إلى أستاذي الذي حفر أحرف الصدق في وجداني منذ عرفته، إلى من علمني الانفتاح في رحاب ثقافة الإسلام.

أما في البدء كانت فكرة، يوضح المؤلف كيف بدأت فكرة هذا الكتيب تختمر في ذهنه ثم اخذ بتنفيذها على الورق. فقال: يعود ميلاد هذا البحث المتواضع لصيف 2010م، وفي رحاب قطيف المحبة وبستان العارفين وواحة الأدباء والمثقفين، حيث زرت المملكة العربية السعودية، فجال في فكري تنفيذ مشروع بحث يتناول دراسة أهم المفاهيم التي يتناولها سماحة الأستاذ المفكر الشيخ حسن الصفار - حفظه الله - في محاضراته وكتاباته ومشاركاته في الفعاليات الثقافية والاجتماعية في جميع أنحاء العالم.

وتمهيدا للدخول في البحث كتب المؤلف: وكما يعبر سماحة الشيخ حسن الصفار: ومن تلك العناوين الغائبة المغيبة، عنوان الوحدة والتقارب والانفتاح بين طوائف الأمة، ومدارسهم المذهبية والفكرية.... إن المسلم لديه شئ من المعرفة بمبادئ الإسلام، لا يستطيع إنكار مبدأ الدعوة إلى وحدة الأمة، وهو مبدأ أساس نصت عليه آيات محكمة من كتاب الله، وأحاديث صحيحة من سنة رسول الله ﷺ، كما يؤيده العقل والوجدان وتؤكد عليه تجارب الأمم القوية الناجحة.

ثم تطرق المؤلف في بحثه إلى حقيقة أزمة الانفتاح، ونقلا عن الشيخ حسن الصفار: بخصوص سر غربة عنوان الانفتاح لدى شرائح مجتمعنا، بتعداد بعض العوامل الأساس، واشتراك عدة عوامل في تكريس هذه الحالة المرضية - العزوف عن الانفتاح على الآخر - منها: العامل التربوي، عامل التوجيه الديني، العامل الاجتماعي، العامل السياسي، العامل الثقافي، والعامل الإعلامي. وعن الأسباب والمبررات العامة، أشار الكاتب نقلا عن الشيخ الصفار، إلى العوامل التالية: الجهل والسذاجة، اللامبالاة وضعف الثقة بالذات، والخوف من الحقيقة.

ومن تجليات أزمة الانفتاح أورد المؤلف خمس سمات لمجتمعنا، هي: التركيز على مواقع الخلاف المذهبي، تلمس نقاط الضعف في تراث المذهب الآخرى والتشهير به، نبش حوادث التاريخ، تحريم النقد الذاتي، وأخيرا تعميق النظرة الدونية على المستوى الديني لأتباع المذاهب الأخرى.

وتحت العنوان «ماهية الانفتاح على الآخر» يعبر الشيخ الصفار قائلا: «إن ما أريد التنبيه عليه في هذه النقطة، أن هناك تيارين في كل مجتمع، فيما يخص الشأن الديني والفكري، وبإمكان كل تيار أو اتجاه أن يطرح رأيه ووجهة نظره، ولكن عليه - في المقابل - أن يسمح للآخرين بطرح رأيهم، وأن يبدي رأيه فيما يطرح الآخرون، لكن دون اللجوء إلى أجواء الإرهاب الفكري، فالتشكيك في دين الطرف الآخر، وإخراجه من المذهب، ووصفه بالارتداد والضلال والبدعة وما إلى ذلك. تجاوزا للحدود واستهدافا للشخصية، وإسقاطا لأناس محترمي الشخصية، لا يتناسب والحرية الفكرية. ومجرد المخالفة في الرأي، لا ينبغي أن يسود في أي مجتمع، فهو حالة سلبية، لا تساعد على تنمية الفكر والمعرفة في هذه المجتمعات وأوساطها.

وفي العديد من كتاباته ومحاضراته يؤكد - الشيخ الصفار - على نقطة جوهرية وإستراتيجية في وعي ثقافة الانفتاح على الآخر، تتحدد في قضية نقد الذات، وترتبط أيضا بوعي حقيقة العصبية وما يتفرع عنها من تنميط وتعميم، وصولا إلى قبول ضرورة التعايش بعد وعي حقيقة التنوع. وإيضاحا لهذا المرتكز الأساس في بناء وعي ثقافي رصين عن الانفتاح، أرى أهمية استدراك تحليلات الشيخ لكلا البعدين «التعصب والتعايش» حتى تتضح لنا ماهية الانفتاح.

وعن الانتقال من كهف التعصب إلى فضاء التعايش، قال سماحته بأسلوبه التربوي الرحب - كعادته - ليثير دفائن العقول للقضايا والأفكار والتصورات، التي كرست التخلف في أوساط مجتمعات أمتنا: إن التزكية المطلقة للذات وتجاهل نقد الآخرين، مهما كانت أغراضهم منه، تحرمنا التقدم والتطور، وتفوت علينا فرص الإصلاح والتغيير. وفي سياق حديث سماحته عن التعصب، يوصي بالقول: فإذا ما رأينا الأعداء يتهموننا بهذه الصفة السيئة، فلا يصح أن نقف عند حدود إدانة الاتهام ورفضه، بل علينا، إلى جانب ذلك، المزيد من مراجعة الذات ونقدها، والقيام بعملية مسح فكري واجتماعي، لاكتشاف ما قد تعانيه الأمة وثقافتها من حالات إصابة بهذا المرض الخطير، ثم السعي لمعالجتها والانتصار عليها.

وهناك عوامل عديدة تدفع الإنسان للاستغراق في الارتياب تجاه الآخرين، وتفقده توازنه في النظر إليهم وتفسير أعمالهم وتصرفاتهم، ومن أبرزها: ضعف الوازع الديني، مرآت الذات، أجواء السوء والعناصر المنحرفة، الميل للمشاكسة والمنازعة.

وعندما يصبح التعصب اتجاها وتيارا في المجتمع، له ثقافة ورموزه وكياناته، فذلك هو ما ينذر بأخطار وأضرار كبيرة على مختلف الأصعدة من حياة المجتمع. فتصبح فئة من أبناء المجتمع عناصر معقدة، تنمو في نفوسهم نوازع الحقد والشر، وتتجه طاقاتهم نحو الهدم والتخريب، فيفقد المجتمع وحدته واستقراره. كما وتشوه الاتجاهات التعصبية سمعة الجهة التي تنتمي إليها، وتضطرب علاقاتها مع الجهات الأخرى، وقد يتطور المجتمع بكامله في صراع مع مجتمعات أخرى.

ومن تجليات ظاهرة التعصب الرئيسة التي ناقشها باستفاضة، إقصاء الآخر، وترتبط هذه الأزمة بثلاثة عوامل أساس، تنتج هذه الأزمة وتغذيها وتفرضها: الأول: الفهم الديني السائد الذي يعد الرأي الآخر ضلالا ومنكرا تجب محاربته وإزالته. الثاني: سياسات الأنظمة الحاكمة التي ترفض وجود الرأي الآخر المختلف مع توجهاتها ومواقفها. الثالث: التربية والأعراف الاجتماعية التي تربي الفرد على أساس أن إبداء الرأي المخالف للأب وكبار السن إساءة أدب وعدم احترام وتقدير.

أما فيما يخص خارطة المواجهة، قال المؤلف: حاولت من خلال كتابات الشيخ الصفار، استجماع الخطوط العريضة التي يجب العمل على تفعيلها لصد تسونامي الظاهرة التعصبية في عمق واقعنا الاجتماعي العام، وكان من بينها ما يلي: أولا: تحرير مناهج التربية العائلية والتعليمية من الاتجاه الواحدي. ثانيا: بعث مفاهيم الإسلام حول أصول التعامل الإنساني، وضوابط العلاقات الاجتماعية. ثالثا: مسؤولية القانون في وضع حد للخطابات التعبوية التحريضية المثيرة للفتن والانقسام، والمهددة لأمن المجتمع واستقراره، ولمنع أي ممارسات تمييزية بين المواطنين. رابعا: تعزيز الأمن الفكري والأخلاقي وحماية الأسرة ثقافيا عبر تشريع العمل الأهلي القائم على أساس التوازن والعدالة الحقوقية. خامسا: سعي مختلف الجهات والفئات إلى تقديم نفسها، وعرض آرائها ومواقفها، عبر مؤسسات أهلية تتكفل بإدارة مشروع التعارف بين التوجهات والمدارس والمذاهب. سادسا: مسؤولية الدولة في تفعيل المساواة بين المواطنين ونشر ثقافة التسامح وتجريم ثقافة الكراهية والتحريض عليها. سابعا: مسؤولية النخبة على التبشير بثقافة التسامح وقبول التعددية والرأي الآخر وإدانة حالات التمييز عمليا والمطالبة بتجريم هذه الحالة. ثامنا: دور القيادات الدينية في تنمية النقد البناء بين مكونات المجتمع. تاسعا: تعزيز واقع العلاقات الاجتماعية بتنمية الاعتذار من الأخطاء وقبوله لميلاد مجتمع راشد. عاشرا: محاربة الغرور الديني والطائفي وبعث روح التجديد.

وحينما يكون الانتماء المذهبي للمواطنين المسلمين متنوعا، فإن أمامهم أحد خيارات ثلاثة للتعاطي مع هذا التنوع والتعدد: الأول: أن يسعى أتباع كل مذهب لفرض مذهبهم على الآخرين، وإلزامهم بأخذه والتعبد به. ثانيا: أن يتحصن أتباع كل مذهب في خندق مذهبهم، ويعبئون أفرادهم اتجاه المذهب الآخر. ثالثا: التعايش والاعتراف للطرف الآخر بحقه في التمسك بقناعاته ومعتقداته، وممارسة شعائره الدينية والعمل وفق اجتهاداته المذهبية، ويتعامل الجميع كمواطنين متساويين في الحقوق والواجبات، متعاونين لتحقيق المصلحة العامة ومواجهة الأخطار المشتركة.

ومن ثم، ينبه العالم العارف بزمانه المستوعب لمسؤوليته، ويشير إلى أهم محطات العبور إلى شاطئ التعايش السلمي، على أساس الاعتراف والاحترام المتبادل، وحفظ الحقوق الإنسانية والوطنية، ونبذ المشاحنات والمهاترات المذهبية والطائفية، والتأكيد على حرمة دم كل مسلم سنيا كان أو شيعيا، وحرمة عرضه وماله، والتبرؤ من كل من يسفك دما حراما، أيا كان صاحبه.

ويطرح الشيخ السؤال التالي: كيف ترتقي مجتمعاتنا إلى مستوى التعايش الحضاري؟ وكيف تتسامى على عوامل الخلاف والتمزق، وأسباب القطيعة والتنافر؟ وكيف يكون تنوعنا وتعدد انتماءاتنا إثراء لتجاربنا، وإنضاجا لآرائنا وأفكارنا؟ ثم يجيب بكل وضوح ودقة وموضوعية: إن المسؤولية تقع على الجميع، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته. وبالدرجة الأولى فإن الحاكمين في البلاد الإسلامية يتحملون مسؤولية رئيسة في توحيد شعوبهم، وتوفير أجواء التعايش والانسجام فيما بينهم، على أساس الحق والعدل، ومنع أي تمييز قومي أو طائفي. بعدها يأتي دور العلماء الذين ينتظر منهم القيام بأهم دور في الدعوة إلى الوحدة والوئام، وتحذير الناس من النعرات القومية والفتن الطائفية، ولا يجوز أبدا أن يمارسوا دور إذكاء روح التعصب المذهبي، بمبررات واهية زائفة. ثم على رجال الفكر والإعلام أن يوجهوا أقلامهم وجهودهم لإشاعة روح التسامح والتقارب، ومحاربة توجهات التشدد والتطرف، التي يغذيها الأعداء وينميها الجهل والغباء. أما المواطن الواعي فيجب عليه أن يتحمل مسؤوليته في صنع الوحدة الوطنية الإسلامية، بسلوكه القويم وتعامله السليم مع سائر إخوانه المواطنين.

وجاء في شأن التعارف والتواصل، إذا كان التعارف والتواصل مطلوبا بين أبناء الأمة في مختلف المجالات، فهو في المجال العقدي أكثر أهمية وفائدة، وذلك للأسباب التالية: أولا: يساعد المسلم على اكتشاف الحق ومعرفة الصواب في مسائل العقيدة. ثانيا: إن القراءة الموضوعية لآراء الفرق والاتجاهات العقدية الأخرى تمكن الإنسان من معرفة الآخرين على حقيقتهم وواقعهم. ثالثا: إن التواصل العلمي وتدارس القضايا بموضوعية وإخلاص، على أي صعيد ديني معرفي، يتيح المجال لبلورة الرأي وتكامل الفكر وحل العقد ومعالجة الثغرات، ومعالجة قضايا الفقه والثقافة، وتصحيح بعض الآراء في المسائل الكلامية والعقدية.

وأما عن أهم الأركان في أخلاقيات الحوار، فقد ذكر الشيخ الجليل ما يلي: أولا: موضوعية البحث ومنهجيته. ثانيا: الاحترام المتبادل. ثالثا: البحث عن نقاط اللقاء. رابعا: القبول بالتعددية والرأي الآخر.

أما عن مهمة الدين في حياة الإنسان، فيذكر الشيخ حسن، أن للدين مهمتان رئيسيتان: الأولى: تنظيم علاقة الإنسان مع ربه، بأن يتعرف على خالقه، ويؤمن به وبوحدانيته، ويلتزم بعبادته والخضوع له. المهمة الثانية: تنظيم علاقة الإنسان مع أبناء جنسه، بحيث تكون قائمة على العدل والاحترام المتبادل للحقوق.

ثم ينتقل بنا نحو رسم خارطة التسامح، حيث يفتح عقولنا على قيمة الاعتذار وقبوله، ولان المهم كيف يتعامل الإنسان مع خطئه، وهل يمتلك شجاعة التراجع والاعتذار عن الخطأ، أم يصر عليه؟ أو يتهرب من تحمل المسؤولية تجاهه؟ لان الاعتذار سلوك حضاري يدل على احترام الإنسان لنفسه وتقديره لغيره. وينطوي على فوائد كثيرة، منها: أولا: إصلاح النفس ومعالجة سلبيات السلوك. ثانيا: محاولة لإصلاح الخلل الذي أحدثه الخطأ وتدارك مضاعفاته على الآخرين. ثالثا: ينزع فتيل الغضب من نفس الطرف الآخر، ويطفئ نار العداوة، ويحتوي الأزمة والتشنج. رابعا: يشجع الآخرين على التخلق به، ويترسخ كمبدأ في العلاقات الاجتماعية، وكقيمة أخلاقي سامية. خامسا: الفوز برضوان الله والأمن من عقابه يوم القيامة، بالتخلص من حقوق الناس وظلاماتهم.

وعن خلفيات الامتناع عن الاعتذار، يذكر منها: أولا: التفكير والتصور الخاطئ عن الاعتذار. ثانيا: التعصب للذات بتبرير أخطائها والدفاع عنها. ثالثا: التعالي والشعور بالرفعة والتفوق. رابعا: الثقافة العامة والأجواء الاجتماعية.

وتركيزا لحقائق ومعالم الانفتاح، يناقش الشيخ الصفار مسألة جوهرية مهمة في مشوار تمكين ثقافة الانفتاح من تنمية العلاقات الاجتماعية في الأمة، تتمثل في مسألة الأولويات والتنازلات، حيث ينطلق سماحته من مناقشة الواقع، ثم يحدد النقاط الرئيسة في التعامل مع هذه المسألة، فذكر أن علينا أولا: أن نحرر ما هي المبادئ وما هي العقائد، حين نختلف في الرأي حول تفصيل أو فرع من فروع العقيدة. ثانيا: هناك بعض الجوانب قد تكون من العقيدة ومن الشريعة، ولكن هناك ظرفا يقتضي تجاوز هذا الجانب أو التنازل عن ممارسته، لأن هناك أولوية أهم.

وفي الختام أورد الكاتب، أن أجمل ما استوحاه من خلال قراءته المتواضعة والمستمرة لفكر الشيخ الصفار: أن علينا أن نوجه المشاعر نحو الاتجاه الصحيح، لتكون كل مظاهر وحالات التخلف والرجعية والطائفية صدمة توقظ الأمة، وتدفعها نحو استعادة تضامنها الإسلامي. وأضاف قائلا: أن في استطاعتنا أن نكتشف ثقافة الانفتاح على مستويين: الأول: مشروع إنساني حضاري مؤصل إسلاميا متشابك مع معالم قيمية إسلامية مركزية. ثانيا: حاجة واقعية ملحة لتجديد التفاعل السسيوثقافي للمسلمين في الزمن المعاصر.