آخر تحديث: 27 / 11 / 2020م - 12:05 ص

الخطر الحقيقي والخطر الوهمي

الدكتور أحمد محمد اللويمي * صحيفة اليوم

دم يسيل وصراع كقطع الليل المظلم وفتن لا تكاد تنتهي، انها دوامة الوهم والسراب وتكريس للشعور بالخطر الداهم. فدواعي كل هذا لا تكاد تنتهي بدءا من الشعور بالمؤامرة على الهوية والطائفية المتعددة الالوان والاشكال. فالصراع الدائر بين الاقباط والمسلمين وبين الاخوان وغيرهم والسنة والشيعة والسلفيين والعلمانيين وووو ما هي حقيقة اسسها ودواعي قيامها؟ هل كلها تقع في دائرة الخطر الحقيقي أم هي غذاء دوائر الوهم التي تعشعش في نفوس المتقاتلين لتصبح حقيقة لا مجال لنكرانها؟ وهذا الصراع المحتدم بين الناس على اي الحقائق والبراهين تأسس ليصبح سببا لهذا القتل بالدم البارد؟

إن المسافة بين الخطر الحقيقي والوهمي هي نفس المسافة بين الوعي بالذات والجهل بها. ان الذي يؤمن بامكاناته لا يجد في الاوهام سببا يشغله عن الحقائق. وهل عالمنا الا العالم الواقعي و هل عالم المفلسين المهزومين الا عالم الاوهام والسراب. و يا ترى ما هو الحقيقي وما هو الوهمي؟ لعل المؤكد ان الخطر الحقيقي الذي لا غبار عليه ان عالمنا اليوم مبادئه قانون الهيمنة وحفظ المصالح من خلال التمدد الجغرافي او السيطرة الاقتصاديةو التعامل مع العالم الاخر كالحديقة الخلفية التي تؤمن للمهيمن المدد والبقاء والسيطرة.

و تحقيق كل ذلك يتطلب دفع العالم المستغل للوهم بوجود مخاطر تهدد كيانه لا وجود لمعظمها الا في عالم السراب، وان كان نكران كلها أمر غير منطقي وايضا التصديق بكلها أمر غير واقعي. وهكذا وعلى هذ الاساس، القبطي يقتل المسلم لانه خطر يهدد وجوده والمسلم يفجر القبطي لانه منفذ للكافر المحتل والسني يرى في الشيعي خطرا في وجوده والشيعي يرى السعي السلطوي للسني لابد ان يبادل بالمثل وهكذا او هكذا يجد كل فيما ابتلي به الاخر من الاوهام سلوى لدائه ومصابه.

و بهذا يتفرغ الخطر الحقيقي لانه آمن ان اوهامه هي ام المخاطر واصلها. لعل اهم المقومات التي تلعب دورا في جعل هذه الاوهام حقائق لا تقبل التشكيك البلايا الثلاث، الفقر والبطالة والجهل. فالاحصاءات التي نشرتها الفاو تؤكد تصاعد نسبة الفقراء «أن حوالي 40 مليون عربي يعانون من نقص التغذية أي ما يعادل 13% من السكان تقريبا، بالإضافة إلى أن نحو مائة مليون عربي يعيشون تحت خط الفقر.

وفي مصر - - أكبر بلد عربي من حيث عدد السكان 46% من المصريين لا يحصلون على الطعام الكافي ويعانون من سوء التغذية». والفقر الثقافي والمعرفي نتيجة طبيعية للفقر فالذي لا يجد ما يأكل بالتأكيد الكتاب والقراءة له ترف. في مقال «الفقر الثقافي في العالم العربي» في مجلة الكويت «الوضع العربي فيما يتعلق بالثقافة والقراءة ونشر الكتب، والتي تعد بمثابة ترمومتر للحالة الثقافية والفكرية، أن معدل نشر الكتاب في العالم العربي لم يتجاوز نسبة 0.7%، وأن نصيب كل مليون عربي من الكتب المنشورة في العالم لا يتجاوز الثلاثين كتابا مقارنة مع 584 كتابا في أوروبا.

وفيما يتعلق بالقراءة أن الطفل العربي لا يقرأ خارج المنهج الدراسي سوى 6 دقائق فقط». وبتفاعل الفقر والبطالة والجهل يصبح الخطر الوهمي هو المنتج الاكثر رواجا وخصوصا ان الترويج للوهم له مصدر لا ينضب من التمويل. ان المسافة بين الخطر الحقيقي والوهمي هي نفس المسافة بين الوعي بالذات والجهل بها. ان الذي يؤمن بامكاناته لا يجد في الاوهام سببا يشغله عن الحقائق. وهل عالم الواثقين الا العالم الواقعي وهل عالم المفلسين المهزومين الا عالم الاوهام والسراب.