آخر تحديث: 18 / 10 / 2021م - 9:39 ص

أسقامُ البحثِ والباحِثين

حسن المصطفى * صحيفة الرياض

وتعدُ النوازع الذاتية سبباً رئيساً في غياب الموضوعية وتدني مستوى الصدقية، فعندما يشتغل أي باحث على موضوع محدد، يجب أن يتجرد من عواطفه أو انتماءاته الدينية أو المذهبية أو العرقية أو المناطقية، ويتعامل بشكل محايد مع المعطيات التي أمامه..

استكمالاً للمقالات السابقة، حول أهمية وجود ”بيوت أفكار“ مستقلة، تنتج بحوثاً ذات قيمة علمية وصدقية، من المهم مناقشة الأسباب التي تجعل الكثير من الكتابات تتسم بالسطحية، وترتدي لبوس العمومية والإنشائية.

هذه المعضلة لها أسباب عدة، أهمها:

  • محدودية المعرفة: فمن دون العلم والمعلومات لا يمكن لأي باحث أن ينتج مادة تتسم بالعمق.
  • عدم التخصص: فهنالك استسهال في تناول موضوعات مختلفة واسعة التنوع من دون أن يكون لدى الباحث تخصص محدد يبذل فيه جهده، ويكون بمثابة الحقل الأثير الذي يحفر فيه معرفياً بعمق، ليس هنالك مشكلة أن يتنوع الكاتب فيما يود التعبير عنه، إنما المشكلة تكمن عندما يظن من يكتب أنه متخصص في كل الحقول، أو أن لديه اللياقة الذهنية في أن يحيط بكل شيء، حينها سيكتب في كل شيء من دون أن يكتب شيئاً جديراً بالقراءة والتأمل!
  • غياب المنهجية: البعض تجد لديه الكثير من المعلومات أو الأفكار الجيدة، إلا أنه يفتقد للأدوات العلمية التي من خلالها يبني سياقاً متصلاً بين هذه الأفكار أو يربط بينها أو يحللها بشكل سليم، هذا النوع من الكتاب كمن تكون لديه جوهرةٌ لا يحسن التعامل معها، والنتيجة أن يفقد هذا الحجرُ الكريمُ أهميته، وتصير فائدته محدودة جداً أو شبه منعدمة.
  • التصورات والأحكام المسبقة: وهذه إحدى المشكلات العويصة، بأن يكون لدى الباحث فكرة سابقة عن عمله، يظل يشتغل على البحث عما يؤيدها، وبالتالي سيشيح نظره عن الأدلة أو القرائن التي لا توافق تصوره، ويركن إلى ما يعزز ما لديه من قناعة، أي أن البحث سيكون موجهاً سلفاً تجاه نتائج بعينها.
  • النوازع الذاتية: وتعدُ هذه النوازع سبباً رئيساً في غياب الموضوعية وتدني مستوى الصدقية، فعندما يشتغل أي باحث على موضوع محدد، يجب أن يتجرد من عواطفه أو انتماءاته الدينية أو المذهبية أو العرقية أو المناطقية، ويتعامل بشكل محايد مع المعطيات التي أمامه، منتزعاً من عقله وقلبه مشاعر الحب والكره، أو المعارضة والموافقة؛ ومن دون ذلك لن تحمل النتائج أي قيمة علمية.
  • الاستعجال: وهي آفة تصيرُ البحث أشبه بالوليد ”المسخ“ أو غير مكتمل المعالم، فالبحث يتطلب الروية، والصبر، والتأمل، والتنقيب في المراجع والمصادر.
  • الشهرة: وتلك شهوة قاتلة في زمن ”السوشال ميديا“، فالباحث عندما يريد أن يكون نجماً حاله كبقية ”مشاهير سناب شات“ أو سواهم، وقتها لن يكون باحثاً عن المعرفة وإنما مهرول خلف المعجبين، وشتان بين الاثنين!
  • الوقوع تحت سطوة الجمهور: أي أن يكون الباحث متأثراً بالعقل الجمعي، غير مستقل عنه، يتماهى مع غرائزيته، ويخشى من عقابه.

تلك أهم الأسقام التي تصيب رهطاً من الكتاب والباحثين، وتؤثر على ما يقدمونه من رؤى وأفكار، بحيث تغدو سطحية لا قيمة لها!