آخر تحديث: 2 / 8 / 2021م - 6:13 م

تأملات رمضانية 5

محمد أحمد التاروتي *

ارادة التغيير قرار جوهري في حياة الصائم، فالتحول الجزئي او الكامل عملية أساسية، للقضاء على حالة الضياع والتخبط في الحياة، ”من استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان اخر يوميه شرهما فهو ملعون ومن لم يعرف الزيادة في نفسه فهو في النقصان ومن كان الى النقصان فالموت خير له من الحياة“، وبالتالي فان التحرك الداخلي لاحداث انقلاب ينم عن اكتشاف بعض النواقص، مما يمهد الطريق لاصلاح الخلل، سواء فيما يتعلق بالعلاقة مع الخالق، او ازالة اسباب التوتر مع المحيط الاجتماعي.

شهر رمضان يعطي المسلم طاقة غير اعتيادية، لمقاومة الضعف بشتى انواعه، فتارة يكون الضعف امام الغرائز الشهوانية، وتارة اخرى امام البطن، فالصوم يقوي الارادة الانسانية نتيجة الامتناع الكامل مع الملذات الدنيوية، مما يوفر الفرصة لدى المسلم لوضع نهاية لبعض السلوكيات المعوجة، او النواقص الظاهرة، لاسيما وان فريضة الصوم تتجاوز المفاهيم الظاهرية، لتخترق الجوانب الداخلية للانسان، مما يعزز القدرة على خلق الظروف المناسبة، لامتلاك زمام المبادرة نحو الاصلاح الذاتي، والعمل وضع المعايير الأخلاقية، القادرة على تغيير النفس بطريقة جزئية او كلية.

عملية التغيير تنطلق من الذات بالدرجة الاولى، فهناك الكثير من الممارسات القادرة على تحريك النفس بالاتجاه السليم، بيد ان الضغوط الداخلية والعوامل الخارجية، تعرقل الجهود الساعية نحو الارتقاء بالذات نحو السمو، مما يزيد من المعاناة النفسية لدى البعض، خصوصا وان الفشل في السيطرة على النوازع الشيطانية، يترك حسرة كبرى وتأنيب للضمير، الامر الذي يستغله شياطين ”الانس“ بطريقة سلبية، بهدف دفع المرء لمزيد من الانغماس في الملذات على اختلافها، بيد ان شهر رمضان يمثل احدى الضوابط القوية، لاعادة ترتيب الاوراق الداخلية بطريقة مختلفة، نظرا لقدرة فريضة الصيام على مقاومة تلك الضغوط على اختلافها ”لياليه افضل الليالي وساعاته افضل الساعات هو شهر الشياطين فيه مغلولة محبوسة“، مما يساعد في اطلاق ايدي الصائم باتجاه اصلاح الذات، وترميم النفس لزيادة الارتباط مع الخالق.

الارادة الصادقة قادرة على وضع الامور في النصاب السليم، فالرغبة في التغيير الجذري عملية جوهرية واساسية، خصوصا وان العزيمة القوية قادرة على تحطيم كافة العراقيل المعنوية والمادية، من خلال انتهاج الوسائل المناسبة لاصلاح الذات، بيد ان المشكلة تكمن في التراخي، وعدم مواصل مشوار التغيير الحقيقي، الامر الذي يحدث بعض الانتكاسات الجانبية، واحيانا الاخفاقات الكبري في معركة الصراع مع الذات، وبالتالي فان شهر رمضان المبارك يشكل انطلاقة حقيقية بالاتجاه السليم، من خلال وضع المسارات الصحيحة في اعادة برمجة الذات بطريقة مختلفة تماما، لاسيما وان البرنامج اليومي للصائم يشكل منطلقا، نحو القطيعة التامة مع المرحلة السابقة، والبدء في صفحة جديدة، وجادة لزيادة العلاقة العبادية مع الخالق، ”ايها الصائم تدبر امرك فانك في شهرك هذا ضيف ربك، انظر كيف تكون في ليلك ونهارك وكيف تحفظ جوارحك عن معاصي ربك“.

التحول الكامل عملية ليست صعبة على الاطلاق، فالمرء يمتلك القدرة على اعادة برمجة الحياة في جميع المجالات، من خلال التخطيط السليم، والالتزام بالبرنامج الصحيح، لاسيما وان فريضة الصوم تدفع باتجاه تقوية العلاقة مع الله، وكذلك محاولة اصلاح شبكة العلاقات الاجتماعية، بالاضافة لاعادة رسم الصداقات بطريقة مختلفة تماما، الامر الذي ينعكس بصورة مباشرة على التغيير الشامل، بمعنى اخر، فان الفرصة الزمنية لشهر رمضان للتغيير الحقيقي ستكون متاحة للجميع، بيد ان الفرق يكمن في القدرة على استغلال هذه الفسحة الالهية بالطريقة المناسبة، خصوصا وان البعض غير قادر على التعامل مع الشهر الفضيل، جراء بعض الحجب المتراكمة على الذات، سواء نتيجة الغفلة عن الاستفادة من الشهر الكريم، او بسبب عدم اكتشاف النواقص الذاتية، مما يقود للحرمان من الكرم الالهي الواسع، طيلة شهر رمضان المبارك.

”ايها الصائم تدبر امرك فانك في شهرك هذا ضيف ربك، انظر كيف تكون في ليلك ونهارك وكيف تحفظ جوارحك عن معاصي ربك، انظر ان لا تكون بالليل نائما وبالنهار غافلا، فينقضي شهرك وقد بقي عليك وزرك، فتكون عن استيفاء الصائمين اجورهم من الخاسرين وعند فوزهم بكرامة مليكهم من المحرومين وعند سعادتهم بمجاورة ربهم من المطرودين“

كاتب صحفي