آخر تحديث: 2 / 8 / 2021م - 6:13 م

تأملات رمضانية 7

محمد أحمد التاروتي *

صوم الجوارح يمثل الوجه الاخر لفريضة الصيام، فالمسلم مطالب بحفظ لسانه، والامتناع عن كافة المحرمات على الدوام، باعتبارها طريقا لتطبيق الاوامر الالهية، انطلاقا ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ ، فالملوثات البصرية، وتجاوز حدود الله، وارتكاب المحارم، تترك اثارا معنوية على القلوب، بحيث تتحول تلك الاثار المعنوية الى ممارسات خارجية، من خلال التعدي على الاخرين، وعدم التورع عن الكثير من الاعمال السيئة، نتيجة اتباع خطوات الشيطان ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ، ﴿وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا .

فريضة الصيام ممارسة عملية لتنظيف القلوب من الملوثات المعنوية على اختلافها، من خلال الابتعاد قدر الامكان عن مواطن السوء، والحذر من الخوض في مواقع الشبهة، خصوصا وان التورع من خدش الصيام باعمال شيطانية، يسهم في تطهير القلوب من الاوساخ المعنوية، لاسيما وان الصائم يتحرك خلال ساعات النهار باتجاه التقرب الى الله، والحرص على اداء الفريضة على اكمل الوجه، انطلاقا من قناعات بضرورة الالتزام بكافة الاشتراطات اللازمة لقبول الصيام، وعدم ارتكاب الاعمال المبطلة لهذه الشعيرة الاسلامية.

الدورة العملية لحفظ الجوارح طيلة شهر رمضان المبارك، عنصر اساسي لامتلاك زمام الأمور، وعدم الانسياق وراء المغريات على اختلافها، فالمسلم يمتلك القدرة على تحديد مساره باتجاه رضوان الله، من خلال الحرص على انتهاج الطريق السليم، ورفض مختلف الممارسات الشيطانية، نظرا لوجود الارادة القوية القادرة على وضع الامور في النصاب الصحيح، الامر الذي يفرض الاختيار الصائب في كافة الشؤون الحياتية، من خلال التحرك وفق الضوابط الشرعية، وعدم الخضوع للاهواء والمغريات، لاسيما وان الالتزام بالتعليمات الاسلامية يحقق الغاية للمسلم، ”من صام رمضان ايمانا واحتسابا دخل الجنة“.

الصراع بين الاهواء الشيطانية والاوامر الإلهية، مستمر على الدوام، فالبعض يجد نفسه غارقا في مستنقع الاهواء الشيطانية، جراء الاستجابة الطوعية للمغريات، والغرائز على الدوام، بحيث يظهر في الكثير من الممارسات الخارجية، عبر ترك اداء العديد من العبادات، الامر الذي يتطلب التوقف مليا لمراجعة الذات، لتفادي الخسارة الكبرى في الحياة الدنيا والاخر، وبالتالي فان من شهر رمضان المبارك بمثابة طوق نجاة لهذه النوعية من البشر، من خلال العودة التدريجية الى دائرة الاوامر الإلهية، ونبذ مختلف اشكال الخطوات الشيطانية، حيث تبدأ عملية تطهير الذات بالاستجابة الطوعية، للامتناع عن الاكل والشرب لساعات طويلة، مما يقوي الجانب الارادي، ويدفع باتجاه العودة الصحيحة، الى دائرة الصلاح على الصعيد النفسي والاجتماعي.

السيطرة على الجوارح يقضي على الكثير من الاحقاد الداخلية، ويساعد في اضفاء المحبة والوئام على الصعيد الاجتماعي، لاسيما وان النميمة والغيبة سوسة تنخر الجسد الاجتماعي من الداخلي، بحيث تظهر على اشكال متعددة، منها الخلافات والصراعات، وبالتالي فان العمل على ترميم النفوس الداخلية، ينعكس على اصلاح الكثير من الثغرات الاجتماعية، نظرا للدور التخريبي الكبير للنميمة والغيبة، في اثارة الضغائن في الصف الاجتماعي، فتارة تكون عبر الحروب الخفية في الدائرة الضيقة، وتارة اخرى بواسطة الصراعات الدموية في المحيط الواسع، وبالتالي فان صيام الجوارح خطوة اساسية للحفاظ على الذات، من التلوث بمختلف اشكاله، ”من صام شهر رمضان فحفظ فيه نفسه من المحارم، دخل الجنة“، وكذلك صون البيئة الاجتماعية من الوقوع في حبائل الخلافات الدموية، ”ايها الصائم فانك في شهر صيامك فيه مفروض ونفسك فيه تسبيح ونومك فيه عبادة وطاعتك فيه مقبولة وذنوبك فيه مغفورة واصواتك فيه مسموعة ومناجاتك فيه مرحومة“، بمعنى اخر، ان صيام الجوارح لا يقتصر على صون المسلم، من الوقوع في الافخاخ الشيطانية، وعدم الانقياد وراء حبائله، وانما يشمل المحيط الاجتماعي الواسع، من خلال اغلاق كافة الثغرات، التي يحاول شياطين الجن والانس، الولوج منها لاثارة الاحقاد في النفوس.

”ايها الصائم تقرب الى الله بتلاوة كتابه في ليلك ونهارك فان كتاب الله شافع مشفع يوم القيامة لأهل تلاوته فيعلون درجات الجنة بقراءة آياته“

كاتب صحفي