آخر تحديث: 2 / 8 / 2021م - 6:13 م

تأملات رمضانية 15

محمد أحمد التاروتي *

السلوك الخارجي انعكاس مباشر للمنظومة الاخلاقية، فالاخلاق تفرض ايقاعاتها على الانسان، من خلال الحرص على التعامل وفقا للمبادئ والقيم الفاضلة، مما يحدث اثرا كبيرا في المحيط القريب، وكذلك الوسط الاجتماعي الواسع، فالانسان باخلاقه قادر على اذابة الكثير من الخلافات، والانطلاق نحو تدعيم شبكة العلاقات الخارجية، وبالتالي فان الممارسات الاخلاقية تشكل ركيزة أساسية، في صناعة الانسان المسلم، مما يساعد في اشاعة القيم الاسلامية الفاضلة، ”المسلم من سلم الناس من يده ولسانه“.

شهر رمضان يمتلك القدرة على تعزيز المنظومة الاخلاقية، من خلال وضع ضوابط صارمة لعدم الاعتداء على الاخرين، سواء من خلال اللسان او استخدام اليد، فحرمة الانسان مصانة في جميع الاحوال، خصوصا وان الصائم يحاول الابتعاد عن مواطن الشبهات، والعمل على التقرب من الله، فصيانة اللسان من التعرض للاخرين، امر بالغ الضرورة للحفاظ على الصيام ”أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ“، وبالتالي فان ترويض الذات على الالتزام بالمنظومة الأخلاقية عملية مستمرة، وليست مقصورة على فترة زمنية محددة، بيد ان الصيام يحفز الانسان على وضع ضوابط، وحدود صارمة للتعامل مع الاخرين بطريقة مختلفة تماما، انطلاقا من قناعات راسخة بضرورة الابتعاد عن المناطق المحظورة، والمحرمة، نظرا لانعكاساتها على الذات أولا، والمحيط الاجتماعي ثانيا.

الصيام بما يحمل من قيم سامية، يشكل انطلاقة نحو اعادة برمجة الممارسات الخارجية، فالارادة القوية للامتناع عن الاكل والشرب طوال ساعات النهار، تمثل بداية حقيقية باتجاه وضع الامور في المسار السليم، لاسيما وان التعدي على الاخرين يترك تداعيات خطيرة على النسيج الاجتماعي، مما يشكل خطورة كبرى على منظومة العلاقات الاجتماعية، وبالتالي فان الصائم مطالب بمراقبة الذات على الدوام، للحيلولة دون الانزلاق وراء الاهواء، والرغبات الشيطانية، والسلوكيات الشائنة، فكما ان الصوم يلعب دورا في تعزيز الطاقات الروحية لدى الصائم، فانه يساعد في تدعيم العديد من السلوكيات الاخلاقية، من خلال اظهار الجانب المسالم، والابتعاد عن الجانب الشيطاني في التعاملات اليومية، ”من صام شهر رمضان فحفظ فيه نفسه من المحارم دخل الجنة“.

الرغبة الصادقة في تحويل شهر رمضان الى سلوك أخلاقي، والحرص على التغاضي والتجاهل التام لمختلف الاستفزازات، يشكل خطورة اساسية نحو اكتساب شريحة واسعة من البيئة الاجتماعية، مما ينسجم مع الاوامر الالهية الداعية الى التحلي بالاخلاق، وعدم الانجرار وراء السلوك السيئ، ”إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم“، مما يحقق حالة من الانسجام الداخلي والخارجي، من خلال ترجمة المنظومة الاخلاقية على الواقع الخارجي، فالانفصال التام بين القناعات والممارسات الحياتية، مشكلة قائمة لدى العديد من البشر، الامر الذي يحدث صدمة كبرى لدى الوسط الاجتماعي، بمعنى اخر، فان شهر الصيام بمثابة مدرسة عملية لترويض الذات، والعمل على التوافق شبه التام بين القيم الأخلاقية، والسلوكيات الحياتية اليومية، خصوصا وان التعدي عن الاخرين من المحرمات ”من صام رمضان فلم يفطر في شيء من لياليه على حرام دخل الجنة“.

وجود دوافع حقيقية لاداء فريضة الصيام على الوجه المطلوب، عنصر اساسي في الاصرار على تطبيق الضوابط الحاكمة لهذه الفريضة الاسلامية، فالمفاهيم الخاطئة للصيام تشكل معضلة كبرى لدى بعض الصائمين، لاسيما وان هذه الفئات لا ترى في الصيام سوى الامتناع عن الاكل والشرب، فيما تتجاهل ارساء قواعد الوئام مع الاخرين، سواء بالتعدي على الاعراض باللسان والايدي، مما يحول دون اكتساب الكثير من المفاهيم الكبرى لفريضة الصيام، فهذه الساعات القليلة من الامتناع عن الاكل والشرب، قادرة على احداث تحولات حقيقية، في النفوس لدى اصحاب الرؤية العميقة، فيما يصعب اختراق الكثير من الحجب المتراكمة لدى اصحاب الرؤية السطحية، ”من صام رمضان ايمانا واحتسابا دخل الجنة“.

كاتب صحفي