آخر تحديث: 2 / 8 / 2021م - 5:27 م

تأملات رمضانية 20

محمد أحمد التاروتي *

أداء الواجبات واجتناب المحرمات، ابرز متطلبات السير في طريق الصلاح، فالمسلم مطالب بالالتزام الكامل بالاوامر الإلهية، كشرط أساسي للدخول في جملة العباد الصالحين، فضلا عن كون أداء الواجبات كمقدمة للدخول، في جنة عرضها السموات والأرض ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى? إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى? وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَ?ئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ، وبالتالي فان طريق الجنة واضح، وسبيل النار معروف، ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ? وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ .

شهر رمضان يعتبر احدى المحطات الأساسية، لتعبيد طريق الجنة للصائم، نظرا لما يمثله من فضل كبير على بقية الأشهر، ”. شَهْرٌ هُوَ عِنْدَ اللهِ أَفْضَلُ الشُّهُورِ، وَأَيَّامُهُ أَفْضَلُ الأَيَّامِ، وَلَيَالِيهِ أَفْضَلُ اللَّيَالِي“، بالإضافة للبركات الكثيرة التي يحملها للصائمين، فهذه الافاضات الإلهية تبدأ منذ اليوم الأول حتى نهايته، بيد ان المشكلة تكمن في الاليات المتبعة، لاستغلال هذه الفرصة العبادية الاستثنائية، نظرا لعدم وجود الاستعداد الذاتية لدى البعض في توظيف الظرف الزماني القصير، بما يعود بالفائدة فيما بعد مرحلة الحياة، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ، وبالتالي فان الحجب على اختلافها تشكل مانعا في تعظيم الثواب، ورفع الرصيد في الاخرة.

التحرك الصادق للوصول الى العبودية الحقة والصادقة، تتطلب الكثير من الجهد والمزيد من التعب، خصوصا وان المعرفة العميقة لمعنى العبودية، محرك أساس لايجاد العناصر المساعدة، للوصول الى تلك المعارف العميقة، وبالتالي فان الالتزام بالواجبات والعمل على تجسيد، تلك العبادات على الواقع الأخلاقي، والمعاملات الاجتماعية، فضلا عن التذلل الكامل للخالق، عناصر أساسية للتقرب الى الله، ومحاولة الوصول الى العبودية، ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى? بِرَبِّكَ وَكِيلًا و﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ .

المفاهيم القاصرة لمعنى العبودية الصادقة، تشكل احدى الحواجز الأساسية للوصول الى، تلك الحالة التذللية تجاه الخالق، خصوصا وان إزالة جميع العراقبل من طريق العبودية امر مطلوب على الدوام، فهناك العديد من العراقيل التي تمنع الوصول الى تلك العبودية، لاسيما وان العبودية ليست قاصرة على الصلاة، وغيرها من العبادات الأخرى، ولكنها تشمل الكثير من الأمور الواجبة، واجتناب المحرمات على اختلافها، الامر الذي يستدعي إعادة صياغة تلك المفاهيم، بما ينسجم مع المقاصد السليمة، خصوصا وان التفكير الضيق يحرم البعض من الانطلاق بالإبحار في معنى العبودية الواسع، مما يجعله يدور في اطار ضيق للغاية، ﴿وَسَارِعُوا إِلَى? مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ .

الصوم بما يحمله من عبادة قريبة من الخالق، يسهم في تصحيح بعض المفاهيم ”المحدودة“، في معنى العبودية الحقة، خصوصا وان الصوم من العبادات غير الظاهرة للاخرين، مما يعمق العلاقة مع الخالق، نظرا لاختفاء عنصر الرياء، بخلاف بعض العبادات الأخرى، مثل الصلاة وغيرها من الممارسات الظاهرية، بمعنى اخر، فان محاولة اقتناص شهر رمضان المبارك في وضع الاقدام، على مسار العبودية الصادقة للخالق، امر في غاية الأهمية، ويكشف القدرة على توظيف هذه الفرصة السانحة، بما يعود على الصائم بالفائدة، والتحرك الجاد باتجاه ترويض الذات، والعمل على خلق المقدمات الأساسية، للفوز بالجنة والرضوان.

العبودية بما تحمله من مضامين سامية، تمثل قمة المعرفة، والاعتراف بالضعف الكبير، امام الله في جميع الشؤون، فهذه المرتبة لا يصلها كل انسان، فهي محصورة في فئات محدودة، تمتلك الإمكانيات العبادية، للوصول الى هذه المكانة الرفيعة، وبالتالي فان المحاولة للوصول الى مستوى العبودية، عملية أساسية للصائم، كونه في عبادة دائمة طيلة الشهر الكريم.

”أيها الصائم إن طردت عن باب مليكك فأي باب تقصد، وإن حرمك ربك فمن ذا الذي يرزقك، وإن أهانك فمن ذا الذي يكرمك وإن أذلك فمن ذا الذي يعزك، وإن خذلك فمن ذا الذي ينصرك وإن لم يقبلك في زمرة عبيده فإلى من ترجو لغفران ذنوبك، وإن طالبك بحقه فماذا تكون حجتك“.

كاتب صحفي