آخر تحديث: 23 / 6 / 2021م - 2:43 م

الإمام علي (ع) والفداء

قال تعالى: ﴿وَ مِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَ اللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴿البقرة الآية 207.

تتحدث الآية الكريمة عمن امتلك زمام نفسه وضبط حركتها في الحياة وفق عقله الواعي، والذي يتجه دوما نحو رضا المعبود وتحقيق إرادته في الأرض، وهذا الكمال الذي يحوزه تنتشر أنوار إشراقاته بكل اتجاه في حقل العطاء وبذل المكنة وكل ما يستطيع من قدراته ليسخرها في طريق العون والمساعدة، فتعبر الآية الكريمة عن روح التفاني والتضحية والتجرد من حب الذات الأناني ببيع النفس ليكون ثمنها رضا الله تعالى، والعطاء مفهوم مشكك ليس بمستوى واحد بل هو درجات يرتقي فيها المرء، كلما جاهد نفسه وتخلص من حب حطام الدنيا الزائل، فأقام وجوده ورسخ معالم شخصيته وفق مبدأ العطاء، وقد اعتلى هذا الإنسان الكامل قمة الهرم فبذل أعز ما يملك وهي روحه التي بين جنبيه، إذ قد نرى من يجود بماله فيبذله في سبيل مساعدة الفقراء والمحتاجين، فيجعله ذخرا وزادا له في يوم القيامة لنيل عفو الله تعالى ورضوانه، وهناك مرتبة أخرى وهي المعونة المالية المتمثلة في بذل الوقت والجهد للمساعدة في حل مشكلات الآخرين والتخفيف عما علاهم من هموم وأحزان، ولكن الدرجة العليا هي بذل النفس التي لا تعوض ولا تجبر في سبيل الله تعالى، ففي الوقت الذي يفتدي نفسه من المرض أو الموت بماله مهما ارتفع الثمن لمعزة النفس، ولكن لا يمكن التفريط بالنفس وإسقاطها في موارد الهلاك والعطب، وهذه النوعية من الناس ممن امتلكوا معرفة حقة وفهما بحقيقة الدنيا هم أهل العطاء، فصرفوا همتهم وعملهم الحثيث نحو الحياة الخالدة، فلم يكن لهم يوما أي تحرك أو سكون من أجل مصلحة دنيوية أو منفعة يطلبونها، فمعيار تفكيرهم وتصرفاتهم هو تحقق الرضا الإلهي في ذلك بعيدا عن العاطفة العمياء والأهواء المضلة.

حياة أمير المؤمنين كانت مصداقا للتجارة مع الله تعالى، فبذل في سبيله كل غال ونفيس ولم يبخل بشيء حتى نفسه الطاهرة كانت مستعدا في كل وقت لتقديمها في سبيل عزة ورفعة الدين والحفاظ على قيمه العالية، والأمل يحذوه ممزوجا بالشوق والتحري للقاء الله تعالى متوشحا بوسام الشهادة وبذل النفس؛ ليخط للأحرار ممن تخلصوا من شح النفس وحب زينة الدنيا طريق التضحية والتفاني والجهاد في سبيل الله تعالى، إذ متى ما انشغل المرء بنفسه وكرس وقته وجهده للعمل على تحقيق رغباتها ومشتهياتها ابتعد حينها عن خط الفداء لعلي ، وتقوقع حول ذاته الأنانية وقصر نظره على ملذات الدنيا وتسرب إليه الجبن والخوف على الممتلكات والمال، وهذا ما كان ممن انحرف عن جادة الحق وضل طريق الصواب وعادى أولياء الله تعالى بسبب حرصه الشديد على المغريات.

لقد كان من أجلى مصاديق الفداء والإيثار عند أمير المؤمنين ما كان منه يوم بات على فراش رسول الله ﷺ بطلب منه ليموه على مشركي قريش أثناء خروجه وهجرته من مكة إلى يثرب، فلم يتوان أو يتلكأ في الاستجابة لذلك، مع إدراكه لمخاطر الموقف إذا بات على فراش الرسول ﷺ، إذ سيحيط به الأبطال من الأعداء وهو وحيد بما يعني الموت المحقق في مثل هذا الموقف، ولا أحد جدير بهذه المأثرة والفضيلة كالإمام علي لما يمتلكه من مقومات التضحية والشجاعة تؤهله لهذه المرتبة من الفداء، والذي يتطلب من جندي الإسلام أن يحمل روحه على كفيه ليبذلها في سبيل حفظ قائد الأمة ﷺ.