آخر تحديث: 23 / 6 / 2021م - 3:24 م

عصر الأنوار نجح غرباً وتعطل شرقاً

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

السؤال الذي يطرحه عنوان هذا المقال على الرغم مما يبدو عليه من وجاهة، فإنه عند التمحص فيه يبدو تعسفياً. وربما تكون الصيغة الأكثر منطقية هي البحث عن أسباب اجتراح الغرب، لعصر الأنوار، وغياب ذلك، إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى في مجمل الشرق. فالأهداف والاستراتيجيات، هي استجابة لحاجة تاريخية، وهي رد فعل، شرطه القدرة على الفعل لمعالجة أوضاع تجاوزها التاريخ، ولم تعد مقبولة.

تظافرت معطيات عدة، لتجعل من عصر الأنوار عملية تاريخية، وواقعاً معاشاً، منها التفاعل بين الفكر والتقانة، والإصلاح الديني. فقراءة التسلسل التاريخي، لبزوغ عصر الأنوار، تعطي أرجحية للفكر، في بقاع من أوروبا الغربية، كما هو الحال في فرنسا وألمانيا، فيصبح الفكر قاطرة للتقانة. وفي بقاع أخرى، يسجل أرجحية للتقانة فتغدو قاطرة الفكر، كما هو الحال في بريطانيا.

لقد سادت عصور الظلمة في أوروبا لقرون طويلة. ومع صعوبة تحديد بداية عصر الانبعاث بالقارة الأوروبية، فإن القارة في شطرها الغربي، تململت في بطء للخروج من بياتها الطويل، والبداية تأسيس مدرستين إحداهما للعلوم في نابولي، والثانية للطب في ساليرنو، ومن ثم تأسيس جامعة في باريس جعلت من المدينة قبلة للعلم في أوروبا، وليتبع ذلك تأسيس جامعة أكسفورد الشهيرة في بريطانيا. وعلى الصعيد السياسي، شهدت أنجلترا عام 1215 ثورة شعبية على الإقطاع، وقّع على أثرها الملك يوحنا الوثيقة العظمى التي اعترفت ببعض حقوق الشعب، وتشكل بالعام نفسه مجلساً للإشراف على الخزينة الملكية، وتلك كانت بداية الأنظمة الدستورية التي تسود العالم الآن.

وفي القرن ذاته، بدأ التوسع الجغرافي؛ حيث بدأت البندقية رحلة الاكتشافات الجديدة، ليتبع ذلك، قيام كريستوفر كولمبوس عام 1498، باكتشاف القارة الأمريكية، ولتتوالى الاكتشافات، بما يستتبع ذلك من توسع في الممتلكات والثروات. وتلك أمور لم نجد ما يماثلها على الإطلاق في الشرق، بالعصر الحديث باستثناء التوسع العثماني، في العالم المجاور للسلطنة.

وبالمثل قاد الراهب الألماني الكاثوليكي، مارتن لوثر، حركة إصلاح ديني، طالبت بإلغاء صكوك الغفران، وترجمة الإنجيل إلى اللغات الحديثة، ليتبع ذلك حركة إصلاح ديني مماثلة في فرنسا قادها جون كالفن.

في عام 1777 اخترع جيمس وات المحرك البخاري، فاستبدلت المراكب الشراعية بالمراكب البخارية، وتلك كانت ثورة حقيقية، في مجال المواصلات البحرية، وتحول العلم من الميدان الروحي، إلى الميدان العملي والصناعي. وبالتزامن معها نشأت حركة فكرية واجتماعية واسعة. وباتت الأفكار الجديدة مرشداً ودليلاً، على التحولات الاجتماعية والسياسية الكبرى التي شهدتها القارة، وفي مقدمتها الثورتين الإنجليزية والفرنسية.

هذا التلاقح، بين الفكر، وبين العلم والتقانة والثورات الاجتماعية وحركة الإصلاح الديني، هو الذي صنع عصر الأنوار الأوروبي. لقد صنعت هذه العناصر مجتمعة هذا العصر. وفصل أي من هذه العناصر، عن مكونات هذا العصر، سيجعله مبتوراً وناقصاً. والحديث عنها بحاجة إلى وقفات طويلة، ليس هنا مكانها.

هذه العناصر، لم تتسرب إلى الشرق، في تلك الحقبة، وإنما بلغته في مراحل متأخرة جداً، على الرغم من أن تأثيرات الثورة الفرنسية وأفكارها، وصلت أصداؤها إلى شرق أوروبا بشكل خاص والعالم بأسره، وباتت باريس ملجأ للباحثين عن الحرية والإخاء والمساواة.

وربما يعود انتصار عصر الأنوار، إلى الاكتشافات والفتوحات الجغرافية، التي مهدت الطريق لنهب المواد الخام، في البلدان المكتشفة، وأيضاً لفتح أسواق كبرى جديدة، ولنشوء الدول القومية، على أساس وحدة اللغة. وتلك كانت فاتحة نشوء الدولة القومية الحديثة، بمؤسساتها التشريعية والتنفيذية والقضائية، وقيام «دولة الحق والقانون».

الشرق قلب العالم، ولم يكن كما أشرنا، معزولاً عن أسئلة التقدم والتغيير.

كما أنه لم يكن مقطوعاً عن الأحداث الصاخبة، التي ارتبطت بعصر الأنوار، والثورات الاجتماعية التي شهدتها القارة الأوروبية. لكن معضلته أن حضارة الغرب سطعت حين بدأ سباته، وأن سطوع الحضارة الغربية، ارتبط بتحولات علمية واجتماعية كبرى، لم يضاهيها أي تحول في التاريخ الإنساني.

وقد شكل هذا التطور حصانة للغرب، حتى حين تمكنت السلطنة العثمانية، من احتلال أراض واسعة من القارة الأوربية. لقد بقيت التجارة الأوروبية، متفوقة على تجارة مركز السلطنة العثمانية، بلد الاحتلال.

التفوق الأوروبي كان من أسباب إعاقة بروز نظير له في بلدان الشرق، حين اكتفى بالنهب، وجعل من البلدان التي احتلها سوقاً لمنتجاته، وحال دون ولوج البلدان المستعمرة مرحلة التصنيع.

وذلك ما يؤكد أهمية الخلق والإبداع والمبادرة والنأي عن المحاكاة والتقليد في صياغة رؤية عملية معاصرة لمشروع النهوض العربي الجديد.