آخر تحديث: 2 / 8 / 2021م - 5:27 م

تأملات رمضانية 27

محمد أحمد التاروتي *

مائدة شهر رمضان المبارك عامرة، بمختلف أنواع الأطعمة المعنوية، فالسفرة الربانية المفروشة منذ اللحظات الأولى لرؤية الهلال، تهدف لاستيعاب الجميع دون تفريق بين الأسود والأبيض، والغني والفقير، والصغير والكبير، والرجل والمرأة، فهذه المائدة قادرة على اطعام الجميع وفقا لقابلية كل انسان، فالبعض يمتلك القدرة على الجلوس على المائدة الإلهية، ساعات طويلة للتزود بمختلف أنواع الأطعمة المعنوية، فيما البعض يفتقر للقدرة على المكوث لفترة طويلة، مما يحرمه من التزود بتلك الهدايا الكثيرة المتناثرة، خلال شهر رمضان المبارك، ”أيها الناس ان شموس شهر رمضان لتطلع على الصائمين والصائمات وان أقماره ليطلع عليهم بالرحمة وما من يوم وليلة من الشهر إلا والبر من الله تعالى يتناثر من السماء على هذه الأمة فمن ظفر من نثار الله بدرة كرم على الله يوم يلقاها وما كرم عبد على الله إلا جعل الجنة مثواه عباد الله إن شهركم ليس كالشهور أيامه أفضل الأيام ولياليه أفضل الليالي وساعاته أفضل الساعات هو شهر الشياطين فيه مغلولة محبوسة“.

الضيافة الربانية في شهر رمضان المبارك متاحة للجميع، فهي لا تقتصر على فئة دون أخرى، خصوصا وان الرحمة الإلهية شاملة للعباد، من خلال فتح باب التوبة على الدوام ”إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ“، ”إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَ?لِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى? إِثْمًا عَظِيمًا“، وبالتالي فان العبد بحاجة الى الرجوع الى الله، والتكفير عن ذنوبه، وبدء صفحة جديدة مغايرة في العلاقة مع الخالق، من خلال الالتزام التام بالاوامر الإلهية، واجتناب المعاصي على اختلافها.

ادارك المسلم بأهمية شهر رمضان المبارك، وقدرته على احداث تحولات جذرية في السلوك الديني، وكذلك القدرة تغيير في الممارسات الأخلاقية، يشكل نقطة أساسية للانطلاقة باتجاه التغيير الحقيقي، في طبيعة العلاقة مع الخالق، خصوصا وان المسلم يكون ”ضيفا“ في شهر رمضان المبارك، مما يستدعي التحلي بالسلوك الأخلاقي، وبالالتزام باداب الضيافة طيلة الشهر الكريم، مما يستدعي التحرك وفق خطوط مرسومة سلفا، بهدف اظهار الصورة المشرقة امام الضيافة الإلهية، بمعنى اخر، فان الصائم مطالب باتباع القواعد الأخلاقية في اداب الضيافة، خصوصا وانه يجلس على المائدة الإلهية الرمضانية، مما يستدعي احتساب كل خطوة، ومراجعة كل كلمة بشكل دقيق، لاسيما السفرة الرمضانية تتطلب الكثير من القواعد الأخلاقية، وبالتالي فان الصائم مطالب بتطبيق الالتزامات المنصوص عليها اثناء الصيام، باعتبارها تأشيرة للتلذذ بطعم المائدة الرمضانية الإلهية العامرة، بمختلف أصناف الأطعمة الاخروية.

المخاوف من انقضاء شهر رمضان، دون التزود بمختلف الاطمعة الموزعة، على المائدة الإلهية الرمضانية، تدفع البعض للتحرك الصادق لتجسيد القواعد الأخلاقية بشكل صارم، انطلاقا من الرغبة في الدخول في جملة ”المرحومين“، والابتعاد عن فئة ”المحرومين“، خصوصا وان جميع الأسباب متوافرة لدى الصائم للتلذذ، بمختلف الاطباق الإلهية المفروشة، على المائدة الرمضانية العامرة، وبالتالي فان الصائم مدعو للجلوس على المائدة الرمضانية، للاستفادة منها عبر زيادة الاعمال العبادية، والحرص على عدم افساد تلك الوجبات العبادية، بالسلوكيات الشيطانية، ”“ أيها الصائم تدبر أمرك فإنك في شهرك هذا ضيف ربك انظر كيف تكون في ليلك ونهارك وكيف تحفظ جوارحك عن معاصي ربك".

”أيها الصائم تدبر أمرك فإنك في شهرك هذا ضيف ربك انظر كيف تكون في ليلك ونهارك وكيف تحفظ جوارحك عن معاصي ربك، انظر أن لا تكون بالليل نائما وبالنهار غافلا فينقضي شهرك وقد بقي عليك وزرك فتكون عند استيفاء الصائمين أجورهم من الخاسرين وعند فوزهم بكرامة مليكهم من المحرومين وعند سعادتهم بمجاورة ربهم من المطرودين“.

”أيها الصائم إن طردت عن باب مليكك فأي باب تقصد وان حرمك ربك فمن ذا الذي يرزقك وان أهانك فمن ذا الذي يكرمك وإن أذلك فمن ذا الذي يعزك وإن خذلك فمن ذا الذي ينصرك وإن لم يقبلك في زمرة عبيده فإلى من ترجع بعبوديتك وإن لم يقلك عثرتك عمن ترجو لغفران ذنوبك وان طالبك بحقه فماذا يكون حجتك“

كاتب صحفي