آخر تحديث: 12 / 12 / 2019م - 1:02 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الانحطاط الاخلاقي اشد خطرا على الامة

باقر علي الشماسي *

كانت الأمة العربية تعاني لعقود طويلة جراحات غائرة ونازفة وعذابات نفسية ممضة ورهيبة من جراء غرور ذيول الفكر الظلامي وقمعهم الوحشي فكريا وتغييب الحريات بواسطة عرابيهم التكفيريين. وهم السبب الرئيسي في تخلف الأمة. بيد انه نسبي بين هذا وذاك حيث اختلاف المناخ والأفق التربوي والروافد الاقتصادية الصعبة آنذاك، وكذا اختلاف التقاليد والعادات والثقافات التوارثية المتراكمة.

ولازالت الامور كذلك مع تغير طفيف في ذلك لا يتماهى وثقافة العصر الحديث وتطلعات الأجيال وعصر الاكتشافات وحرية الفكر في التعبير والإبداع والاختراع والخ. وهي ثقافة اللامبالاة بالمتغيرات الايجابية وبمواثيق منظمات حقوق الإنسان الدولية والعالمية وكرامته، واعتقد ان الانعتاق من هذه الثقافات المتخلفة في غاية الصعوبة ولكنها ليست مستحيلة حين ينزل عليها صاعق ما.... فليس هناك شر سرمدي مطلق أو العكس، كما وعايشت هذه الأمة انقلابات عسكريه وكان بعض قادتها يعتقدون بفوقيتهم وتميزهم على شعوبهم وأمتهم، كما كان سائدا في عديد من الأنظمة: بل إن بعض قيادات تلك العسكر الانقلابيين مشكوك في نزاهتهم وتمسكهم بمهنيتهم التي اقسموا اليمين على شرف المهنه بالذود عن الدين والشعب والوطن.

إلا أنهم انقلبوا على أعقابهم إذ حكموا شعوبهم بالنار والحديد، ومن ابرز تلك الأخلاقيات المتدنية وأقبحها لؤما هي الشعور بالفوقية الرعناء والتماهي والبرجماتية المشينة والمسيئة «وكأنك يا زيد ما غزيت»... ولكي لا يتهمنا البعض بجلد الذات.. فكرامة الانسان والمرأة خصوصا مجلودون وبقسوة منذ قرون في عصر الجاهلية ووأد الأنثى لكي لا تجلب لذويها أو لقبيلتها «العار!!» ثم حرمها الاسلام... اما اليوم فقد برز مسليمة الكذاب الجديد وهو الارهاب الفكري التكفيري لكل من لا يتناسب مع فكره وايديولوجياته الاقصائية الدموية، والويل والثبور وعظائم الأمور لكل من لا ينبطح لأفكارهم الفاشية. والانبطاحيون عديدون في هذا الزمن والتبريرات المصلحية متنوعة.. أقول لكي لا أكون متهما بجلد الذات لهذه الأمة العربية الرافضة للضيم والذل والانبطاح والعبودية لغير الله جل جلاله ليس لأي جهة جبروتية اخرى.. أقول انه قد وجد في بعض الحقب التاريخية القريبة الماضية نقطة ضوء ايجابية في النفق العربي، وهي إجماع من بعض القيادات العربية بخوض حروب ضد الكيان الصهيوني ولكن للأسف «لم يوفقوا» حيث لم يحظوا بالانتصار «تجري الرياح بما لا تشتهي السفن» ويقول من أرخوا تلك الحروب الفاشلة والتي كسرت ظهر العرب مرارا. ان هناك اسبابا محليه تخاذلية غير معلنة، وأخرى دول أجنبية ساندت اسرائيل بدون حدود علنا بل ومهينة للعرب الذين تستنزف خيراتهم... وفي تقديري بان كل ما حصل لهذه الأمة من عواصف وهزائم وطوفان وزمازم، وانقلابات معسكرة، وتبعات تلك الحروب المريرة ضد الأمة وقمع واستبداد وإفقار لشعوبها وتجويعها واذلالها طيلة القرن العشرين كلها في كفة وما نكتوي بناره ودمويته منذ بداية القرن الواحد والعشرين حتى عام 2013 م في كفة... وربما الآتي أكثر كارثية تدميرية وأفخاخ مصنعة ومعلبة أمريكيا تخبئ لهذه الأمة لا قدر الله. حيث لم يحدث للأمة طيلة مئة عام انه سجل عليها هذا الانحطاط الاخلاقي التي ارتكبت فئة اخطبوطية متطرفة ومرتزقة من الأجنبي الامريكي واستخبارات العدو الإسرائيلي، والمحسوبة على الإسلام وعلى الأمة العربية للأسف. لقد انحطت اخلاقها بصورة بشعة اذ ذبح المدعون بالإسلام وبالعروبة «إخوة لهم» بالسكاكين والخناجر في العراق وفي خلال الذبح للإنسان يكبرون وكأنهم يذبحون نعاجا في «حظيرة الشيخ» ناهيك عن التفخيخات والقتل الجماعي.

ولا اظن أن ثمة وطنيين واعين ومتابعين لا يعتقدون أن أمريكا وإسرائيل وراء كل ذلك، كما لم يحدث طيلة قرن مضى أن أمرت الجلاوزة والجلادين بدهس المتظاهرين من أطفال ونساء وصبية وأبرياء دهسا بالسيارات حتى تفريم اجسادهم، كما وسحقت الناس بالجمال والثيران... ولم يحدث للأمة أن سجل التاريخ عليها انه قامت فئة ما بضرب عرب من أرومتهم وجلدتهم بقنابل كيماويه محرمة دوليا، كما حدث في خلال ثلاثة عشر عاما عجافا منذ إطلالة هذا القرن وأمريكا وراء كل ذلك.

ومن سوء حظ امريكا ان العصر الذهبي لأمريكا قد بدأ بالتراجع وان النحس قد أزف لاجتياح أمريكا وإسرائيل معا، بدءا بالأزمة الاقتصادية الخانقة كالشوكة الصلبة في حلقها، فصارت تستنجد باليابان وببعض الدول الصديقة لمساعدتها لإخراج هذه الشوكة الصلبة الحادة من حلقها. لذا غيرت استراتجيتها في حروبها مع بعض الدول والشعوب مباشرة. ومرور بدخول الدب الروسي مزرعة الشرق الأوسط بقضه وقضيضه، فمن يستطيع إخراج هذا الدب المارد؟ لا احد...

و من ثم تلاه التنين الأصفر وهو الصين، وهما صديقان حميمان قديمان لهذه المزرعة. ناهيك عن هزائم اسرائيل في لبنان وقطاع غزة، ومرورا بتهديد كوريا الشمالية لأمريكا بضربها في عقر دارها وضرب حليفتها الجنوبية. كما ان هناك دولا أخرى نووية كالهند وهذه ليست صديقة لأمريكا إن لم تكن متمردة على بيت الطاعة الأمريكي، ضف الى ذلك بعض الدول اللاتينية ككوريا وفنزويلا وغيرها... من هذه المنطلقات والمعطيات والمستجدات السلبية بالنسبة لأمريكا، لجأت الى التعجيل بالمزيد من الحرائق وإشعال «الفتنه الطائفية الخلاقة» لتمرير وتمزيق وتقسيم البلاد العربية جغرافيا كي يتم بسرعة تنفيذ المشروع الامريكي الاسرائيلي. ولكن الروس والصينيين متيقظين لهذه اللعبة القذرة،،، فهل تتفق الأقطاب الثلاثة امريكا والروس والصين على حلول وسط وتتنازل امريكا عن بعض الأمور في المنطقة؟ كون أمريكا في موقف وظروف لا تحسد عليها ومن اجل تجنب الاصطدام النووي، كما كان على وشك الاصطدام بسب الصواريخ السوفياتية في كوبا في الستينيات؟

نسأل المولى القدير ان يجنب البشرية مثل هذه الكوارث ويجنبها كيد الكائدين الأشرار.

غرباء هذا العصر التكفيريون والجهلة بما سيحدث لهم من منغصات وعواصف قد تجتث أدبياتهم المتشنجة نظرا لآلياتهم الدموية اللا إنسانية، واعتراضهم على أية خطوة اصلاحية متقدمة في بلادنا المملكة وغيرها: على سبيل المثال مؤتمر الحوار الوطني بين المذاهب والأطياف المختلفة، وكذلك الجامعة المميزة والتي لا تناسب منهجيتهم وأدبياتهم وأهدافهم، وكذلك منع فتاوى التكفير ضد اية طائفة اسلامية، وكذلك حوار الاديان والحضارات. وغيرها من امور عديدة ومخجلة.

«لقد هزلت تلك الفئة حتى بان من هزالها كلاها»

حيث تنامى وعي الأمة بشكل ديناميكي، زائدا تصاعد دمويتهم في مواقع معينة، وفشلهم ودحرهم في مواقع عديدة اخرى: هذه العوامل كشفت عوراتهم ودمويتهم اكثر فأكثر لذي القاصي والداني. وحتى المخدوعون بعبائتهم الدينية قد تنبه الكثير منهم لخداعهم «ومن كان مع الله كان الله معه» وكل شيء بني على باطل سيتآكل من داخله عاجلا أم آجلا، وكل من يقف ضد حركة التاريخ فهو يراهن على حصان معلول لكونه محقون بجينات سرطانية.

كاتب وصحفي- الشرقية - القطيف