آخر تحديث: 23 / 10 / 2021م - 3:57 م

متلازمة البحث عن الشهرة

المهندس أمير الصالح *

”المحتوى الاعلامي الهابط أفيون الشعوب“، جملة نسجتها للرد والتعليق على جملة واتهام تاريخيمؤدلج وغير عميق اطلقه ضد الديانات السماوية قائد سوفيتي سابق بقوله ”الدين افيون الشعوب“. والكل يعلم مدى تصدر الدين في طرح معالجات التحديات الوجودية لبني البشر ًكما يعلم الجميع بمدىتمييع المحتوى الاعلامي الهابط بطاقات الشباب واهدارها وتدمير المجتمعات من الداخل. هذا ليسمحور الحديث وانما مدخل له.

البحث عن تلبية مطالب الطموح السريع بالثراء من خلال الشهرة الاعلامية هو واحد من أهم الازماتالاخلاقية الحالية والتي تشغل ذهن الناس بشكل عام وفئة ليست بالقليلة من الشباب بشكل خاص. الطموح لبلوغ القمة في الشهرة وتحصيل المال بسرعات كبيرة من خلال الحرص المفرط على البروزالاعلامي بأي وسيلة ممكنة، هو تجسيد لمقولة ميكافيلي الشهيرة «الغاية تبرر الوسيلة». وهذه المفردةهي معضلة اخلاقية كبيرة.

مايزيد من المعضلة تفاقم في التأزم، هو غياب الوعي لصاحب الطموح السريع، سواء الوعي الديني أوالاخلاقي أو القانوني أو الاجتماعي أو الوطني. انتشار شعبية السنابر واليوتيبر ذوي المحتوىالهابط بلحاظ مردودات المال العالية نظير ظهورهم الاعلامي في مواقع التواصل الاجتماعي، تُشجعابناء الجيل الصاعد لانتهاج ذات النهج والنفور من الجد في التحصيل العلمي والاكاديمي. والمحتوى المقدم لهم من قبل اولئك الخاوون، مبني على:

قاعدة ”خالف تُعرف“ لاسيما في مجال امور الدين وفلتان الجنس للفت النظر واصطناع البلبلةو بالمحصلة خلق اكبر عدد من المتابعين في مواقع التواصل

وبالعادة تحفز هكذا مناوشات، يستجلب الفتية والفتيات للاقتداء بذات الاساليب بهدف استقطابمتابعين كُثر وبالتالي استحصال دخول مالية تدفعها لهم مشغلي مواقع التواصل الاجتماعي.

بعض ان لم نقُل كل تطبيقات السوشل ميديا اضحت مكان خصب وكبير لعمل مال كثير بجهد عمل قليلجدا، لاسيما ان كان الاغواء والاغراء الجنسي هما المادة الاساس في ذلك النوع من الاعلام الرقميالخاوي. والمؤسف حقا هو ان المكافئة المالية لناشر السنابات والتغريدات واليوتيوبات ومقاطعالفيديو تتم بناء على تزايد عدد المشاهدات والمتابعين وليس على جودة المادة المذاعة وقيمتها المضافةللمجتمع او حلها لمشاكل مستعصية وتحديات وجودية في مسائل شح الموارد الطبيعية. والمعادلةالمعمول بها لدى معظم التطبيقات الرقمية هي: كلما زاد عدد المشاهدات لقناة رقمية ما، زاد عددالاعلانات التجارية المصاحبة لهذا او ذاك المقطع او السناب وزاد استنزاف وقت المتابع وبالمحصلة زادالمبلغ المالي المدفوع لصاحب القناة / الموقع. وكلما زاد عدد المتابعين للمغرد، كلما زادت شهرة المغرداو السنابر واعطته قيمة سوقية في عالم الاعلانات التجارية واصبح نجم رقمي في فضاء ذلك التطبيقالرقمي. وبهذا يكون صانع المحتوى المشهور مقصد لمسوقي المنتجات التجارية الجديدة والقديمة. من المؤسف جدا ان يسجل في عدد المشاهدات لسفاسف المقاطع وقلة الادب التي يبثها بعضالسنابر واليوتيوبر ارقام المتابعين العالي جدا وقد يتجاوز عدد المشاهدات عشرات الملايين ومنالمتابعين ما يوازيه عددا من البشر. ويتم في المقابل مكافئة صانع ذاك المحتوى ومُعلنه مبالغ ماليهمغرية وان كان المحتوى جارح للكرامة الانسانية ومحرم سلوكيا وغير مقبول اخلاقيا ومروج فيبعضه للرذيلة وباث لسموم لافكار الترويج المحرم داخل المجتمع وهابط المضمون. وعند تلقف صغارالسن من الشباب اخبار ثراء نجوم الفضاء الرقمي للمحتوى الاجوف، يتم التغرير بهم باتباع ذاتالطرق في اكتساب الاموال والشهرة، فينحرف بكل اسف البعض منهم ويدخلون الطريق المظلم.

كل ذلك الطموح السريع لتحقيق الثراء الفاحش دون الاخذ بالاعتبار لشرعية الادوات المستخدمة لتحقيقالمكاسب المالية والتي بدورها قد تحدث شهرة للشاب او الفتاة في بداية الطريق وسقوطهم بالرذيلة. وهذا البحث الدائم للبروز يذكرنا بقصة تاريخية مفادها ان رجل بال في بئر زمزم في موسم الحج فقط وفقط من اجل ان يذكره الناس عبر الاجيال ولو بهذا الصنيع السيئ!!

اود ان اشارك معرفيا مع من اندفع/ ت لهذه الموضة في الشهرة بمعلومة مفادها ان هناك ازمة تُعرف بازمة ”ربع العمر“. وازمة ”ربع العمر“ تختلف عن أزمة ”منتصف العمر“. أزمة ”ربع العمر“ تصيببعض الشباب في مقتبل العشرينات والثلاثينات من اعمارهم بسبب تعرضهم لانتكاسات نتيجة حدوثانهيارات وانتكاسات في مشهد الاحداث التي سلكوها اثناء سعيهم للوصول للقمة المالية او الشهرةالاعلامية بطرق سريعة. وقد تؤدي الى الاصابة بالأكتئاب الحاد. واُعبر من هذا المنبر عن حرصي وخشيتي على بعض الفتيات وبعض الفتيان من ابناء كل المجتمعات الانسانية ممن اتخذوا تلكمالمنصات سبيل وطريق للشهرة واستحصال المال الكثير بالعدول عن بث المواد الهابطة والمنحرفةاخلاقيا وسلوكيا.

وللحفاظ على كيانات المجتمع النظيف القائمة على نشر الفضيلة، اطالب بتفعيل القوانين الجزائيةاللازمة لصد وتجريم وردع كل من يروج للرذيلة والانحراف والجريمة والترويج للمخدرات والتسويقللشذوذ عبر وسائل التواصل الاجتماعي قولا او فعلا او ايحاءا في كل بقع الدنيا ان امكن ذلك.

البعض من الناس، مع وجود فراغ في الوقت كبير وانعدام روح الامتنان للوالدين والمجتمع واختفاءآثار الايمان من قلب الطماع والسعي المستعر خلف المتعة العابرة ولو بخيانة الامانة والنفس والتعلق بالغطرسة وانعدام التخطيط، اصبح عدد ليس بالبسيط من الناس يستخدم طرق لا تراع حقوقالامتنان والأدب عند نشره اللاهث لمواد اعلامية فاضحة ومقاطع مصورة ساقطة دونما لحاظ للحرام والحلال او الخجل منه. حب انتهاك الخصوصية للبيوت او فتح ابواب النقاشات المنحلة على مصراعيهاباسم حرية التعبير او نكران للجميل من الناشر في حق مجتمعه البسيط والودود اوقع الجميع فيحيص بيص. عدد كبير من اصحاب السنابات وتيك توك والهاشتاغات وغرف كلوب هوس نسوا اوتناسوا احترام حُرمات الله والوطن والمجتمع والقيم.

في المحصلة هكذا طمع مفرط وبحث عن الشهرة الاعلامية الجامحة قد ولد وسيولد ما هو كارثي منسمات في شخصيات تعيش في اواسط مجتمعاتها المحترمة، مثل:

شخص شبه منحرفة او شخص الديوث

شخص شبيه الخائن او الخائن

شخص الاحمق او المتغطرس

شخص المغفل او الابله

شخص النرجسي الطماع

شخص السفيه

وكل تلك الانواع من الشخصيات يمكن استغلالها ضد دينها واهلها ووطنها بشكل بشع من اطرافعده متمكنة ماليا دون علم من اولئك اللاهثون خلف الشهرة او المصابون بمتلازمة الشهرة الاعلامية.

وهكذا اصناف بشرية ان اتسع رقعة اثرها والمحتذين بها، ممكن يسوق المجتمع للانهيار من الداخللا سامح الله. وبدل إحراز التقدم والنهضة الصناعية عن طريق توظيف السبل العلمية المتاحة والتقنيةالرقمية الرائعة وطاقات الشباب، ومع شديد الاسف، البعض يُدخل نفسه اماكن يسودها الظلمات والانحلال وعبثا يسول لنفسه جميل المصير. جملة اعتراضية، وجدت عدة مواقع في النت واليوتيوب والبرودكاست تبث مواد تعليمية وتقنية وتطويرية وثقافة مالية واخلاقية ولغوية لشباب مجتمعنا ومجتمعات عربية وغير عربية يستحقون منا الدعم والمتابعة والتحية. ويشرفني رفع القبعة ورفعاصبع الابهام للاعلى لهم والاعراب عن الامتنان لجميل صنيعهم وحثهم على الاستمرار وحث الشبابالاخرين الاقتداء بهم. الآن استأنف فكرة المقال. الطموح حق مشروع ولكن في الاطار الاخلاقي والعقلاني والادبي. من الجيد والجميل ان يجمع الانسان بين الطموح لصنع الافضل من حياته والاحتفاظ بالفضائل بين جنباته. اتطلع من اهل القرار والجهات المعنية باصدار قرارات تعالج بث كلالمواقع التي تروج الرذيلة وتصد من يروج لها لانه بات معلوم بان الاعلام المحشو بالسقوط الاخلاقيسلاح موجه لتفتيت قيم في اوساط الشباب وبيع الوهم لهم.

ولعلنا نسلط الضوء على بعض القيم الاخلاقية المهدورة بسبب متلازمة الشهرة وهي فضيلة الامتنانللوالدين. انعدام الامتنان هو احد السبل لحياة غير طيبة. الامتنان.، وكما يعتقد بعض الفلاسفة، هوالوعاء الاشمل للفضيلة وتجذير غرس المعروف والخير بين الناس. مانراه من نشر لمقاطع فيديو منقبل بعض الابناء الجاحدين تتهكم على جهل اباءهم وامهاتهم بمنتجات حديثة بقصد اثارة الضحكعليهم دليل واضح على فقدان الامتنان لوالديه. وهناك امثلة كثيرة الا انني اكتفي بذلك.

اتمنى ان يلتفت الابناء الشباب والفتيات الى اخذ روح المبادرة في هذه الاجازة المدرسية الطويلة وكلوقت فراغهم لتجذير مشاهدة المفيد من المواد الاعلامية والتطبيق لكل ما هو حسن جميل. ولاستجلاب الهمة اورد بين ايديكم ماورد عن الامام الصادق في كلام له:

«مَا ضَعُفَ بَدَنٌ عَمَّا قَوِيَتْ عَلَيْهِ اَلنِّيَّةُ».

من الجيد ان يعمل كل منا بقوة العقل والقوة المعنوية من خلال الكلمة الطيبة والتوجية الراشد لاستمالةمن اضحى مُغرر به في لعبة احلام الثراء الرقمي السريع والسعي لخلق مجتمع افضل والغاء متابعةاي سنابر او توك توكر او يوتيوبر مستخف بالقيم الاخلاقية ليتلاشى ربحه من صنع مقاطع الحرام. وحجب اي مغرد او يوتيوبر مسوق ولو ايحاءا للرذيلة ليرتدع عن عمله السيئ.

واخيرا، اقدم اقتراح بأطلاق مؤشر بازل لقياس درجة الالتزام بالاخلاق عبر دول العالم Basel Ethical Index ليعمم على كل الدول، على غرار مؤشر بازل لقياس مستوى غسيل الاموال في دولالعالم Basel AML Index. وفور تبني هذا المقترح في اي مدينة من مدن العالم وليس حصرامدينة بازل السويسرية، ساكون مسرورا بالانضمام الى احد لجانها. Sent from Yahoo Mail for iPhone